عندما استعصى حصنٌ منيعٌ على جيش مسلمة بن عبد الملك، وطال الحصار حتى أوشك اليأس أن يأكل من عزائم الرجال، لم يأتِ الحل من حيث كانت العيون ترقب، ولا عبر جيشٍ أعظم من الجيوش؛ وإنما جاء من نقبٍ ضيقٍ في الجدار، صنعه ودخل منه رجلٌ مجهول فتح الباب، ثم عاد إلى الصفوف، كأن شيئًا لم يكن.
ولما سألوا عنه، قيل لهم: لا تسألوا عن اسمه، ولا تأمروا له برزق، ولا تفردوا له مكافأة.
كأن الحل، في بعض لحظاته، لا يحتاج إلى بطلٍ يُنصَّب، إنما إلى عبدٍ يتخفف من نفسه حتى لا يحول بين الناس والباب.
ولعل السودان يقف اليوم أمام حصن فولاذي سدَّ عليه كل الآفاق.
هو ليس جدارًا من حجر هذه المرة، إنما هو جدار من نار حربٍ مدَّت السنتها على كل البلاد، ومن استقطابٍ يزداد صلابة، ومن أيديولوجياتٍ لم تعد ترى الوطن إلا من ثقبها الخاص، ومن نفوسٍ أثقلتها الغنيمة حتى عجزت عن قبول أي حل.
لكنني لا أظن أن الجدار مصمتٌ تمامًا، ربما في مكانٍ ما منه فرصة لصناعة نقبٍ أو ثقبٍ صغير.
ثمة فتحة للضوء ممكنة، ثمة ممرٌّ للدخول ممكن، ثمة بابٌ قابل للفتح لم يُفتح بعد.
لكن مشكلتنا ليست في العثور على هذا النقب الممكن، إنما في من يريد العبور منه.
فالنقب لا يتسع للأحجام المنتفخة، لا يتسع لرؤوسٍ تحمل الخصومات على كتفيها، ولا لأجسادٍ محمّلة بأوزار الفساد والارتهان، ولا لنفوسٍ تريد أن تدخل المستقبل وهي قابضة على غنائم الماضي.
ولذلك ربما كان السودان بحاجة، قبل أي مؤتمرٍ جديد، أو مبادرةٍ جديدة، أو مائدةٍ جديدة، إلى شيء أشد صعوبة من كل ذلك:
أن نتخفف، أن نُجري على ساستنا رجيمًا أخلاقيًا، أن نُنقص من أوزان أسمائهم، ومن تضخم الأنا فيهم، ومن شهوة السلطة لديهم، ومن فائض الشعارات عندهم، ومن ذلك الوهم القديم الذي يجعل كل واحدٍ منهم يرى نفسه ومصالحه أكبر من الوطن.
إذ ليس العجز دائمًا في ضيق الثقب؛ لكن ربما يكون في تَفيُّلِ أنواع من الرخويات واللافقاريات، التي رُزئت بها هذه البلاد.
المهم، فإن «صاحب النقب» بطل قصتنا، لم يكن مطلوبًا منه أن يعرفه الناس، لكن كان مطلوبًا منه فقط أن يعرف كيف يصل إلى الباب.
غايته ألا يدخل ليكتب اسمه على الجدار، لكن ليُدخل الآخرين معه إلى الحصن.
ولذلك جاءت الوصايا الثلاث كأنها دستورٌ للعبور: لا تسألوا عن اسمه، أي لا تجعلوا دوره في الحل مناسبة لصناعة صنم جديد.
فالسودان لا يحتاج الآن إلى مزيد من الأسماء التي تتقدم على الوطن، وإنما إلى أفعالٍ تتقدم على أصحابها.
ولا تأمروا له برزق، أي لا تجعلوا يد العابر مربوطةً بمن يدفع له ثمن عبوره.
فالحرية التي تُشترى بالتمويل المشروط، لا تفتح بابًا؛ إنما تستبدل قيدًا بقيد.
ولا تفردوا له مكافأة، أي لا تجعلوا دوره في بناء سلام للوطن طريقًا إلى تفتيت الوطن ذاته.
فالذي يحفر النقب ليعبر الناس، ثم يطلب نصيبه في فتح الباب، لم يفهم سرَّ النقب.
وهكذا يصبح «صاحب النقب» ليس مجرد شخص، إنما هو صفةٌ إنسانية.
هو ذلك المجهول الذي يفتح ثغرةً في جدار المستحيل، ثم لا يقف عندها ليقول: أنا الذي فتحتها.
هو المتطوع الذي يدخل النار لإنقاذ طفلٍ، أو شيخٍ، أو امرأة، أو ليحمل طعامًا إلى جائع.
وهو الطبيب الذي يظل في مكانه عندما يفر الجميع من جحيم الحروب.
وهو الزعيم الأهلي الذي يطفئ نار الثأر قبل أن تصبح حربًا.
وهو المثقف الذي يرفض أن يجعل عقله خادمًا لحزب أو لديكتاتور أو جماعة.
وهو كل سودانيٍّ يفعل شيئًا لوطنه، ثم يمضي دون أن يطلب من الوطن أن يصفق له.
هؤلاء هم خفاف الروح، أصحاب النقوب، لا يملكون جيوشًا، لكنهم يملكون مفاتيح صغيرة للحل.
ولا يملكون منابر عالية، لكنهم يعرفون أين ومتى يضعون أيديهم في الجدار.
ولا يبحثون عن أمجاد لأشخاصهم، ولذلك قد يكونون هم وحدهم القادرين على صناعة المجد.
ولعل السودان، في هذه اللحظة الفاصلة، لا يحتاج إلى من يكسر الجدار كله.
فقد يكون الجدار أضخم من أن يُهدم، والحرب أعقد من أن تُحسم بضربة واحدة.
إنما يحتاج إلى يدٍ تعرف بالضبط أي موضع يصلح لإحداث مثل هذا الثقب.
ثم إلى رجالٍ ونساءٍ يستطيعون أن يتخففوا بما يكفي لعبورهم منه.
فربما لم يكن هذا الموضع غائبًا، ربما كان هذا النقب ممكنًا، لكن أحلامنا أو أحجامنا هي التي كانت أكبر منه.
إذ حين نتخفف من أسمائنا قليلًا، ومن أحقادنا قليلًا، ومن شهواتنا قليلًا، ومن أوهامنا قليلًا، قد نكتشف أن في الجدار مكانًا لثقب يسعنا جميعاً، ظل ينتظرنا منذ زمن بعيد.
وعندها، لا يكون السؤال: من فتح الباب؟
إنما: هل نستطيع أن نعبر كلنا من خلاله؟
فإذا عبر السودان، فليتوارَ صاحب النقب كما يشاء.
وللحقيقة، فإن الذين يفتحون أبواب الدخول حقًا، لا يقفون أمامها ليرى الناس وجوههم؛
إنما يقفون خلفها حتى يعبر الوطن برمته.
ولذلك، أرى أن المدخل لم يكن غائبًا؛ لكن ربما رؤوسنا أو أطماعنا هي التي كانت أكبر منه.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.