مصادرة شحنة أسلحة وصلت من اليمن إلى السودان.. هل تتسع شبكة الإمداد عبر البحر الأحمر؟
متابعات ـ عين الحقيقة
كشفت معطيات وردت في تقرير بحثي حديث عن مصادرة شحنة من الأسلحة الصغيرة في السودان خلال مايو 2026، يُعتقد أنها وصلت من اليمن، في تطور يضيف حلقة جديدة إلى التقارير التي تتحدث عن اتساع شبكات نقل السلاح عبر البحر الأحمر، وعلاقات محتملة بين جماعة الحوثيين في اليمن وفصائل داخل المؤسسة العسكرية السودانية. وبحسب تقرير مؤسسة «ذا سنتشري فاونديشن»، الذي نقلت عنه «سكاي نيوز عربية»، فإن قوة تابعة لفصيل داخل الجيش السوداني صادرت الشحنة، فيما قالت مصادر سودانية وغربية وأمنية للتقرير إن الأسلحة كانت متجهة إلى حلفاء للحوثيين داخل الجيش السوداني، وإلى حركة حماس في قطاع غزة.
شحنة بلا تفاصيل كاملة
ولم يكشف التقرير هوية القوة التي نفذت عملية المصادرة، ولا المكان الذي تمت فيه العملية، كما لم يقدم معلومات عن كمية الأسلحة أو نوعها أو مصيرها بعد الضبط. وتتعامل «عين الحقيقة» مع هذه المعلومات باعتبارها معطيات وردت في تقرير بحثي استند إلى إفادات مصادر، وليس باعتبارها واقعة أثبتتها جهة تحقيق مستقلة بصورة نهائية. غير أن أهمية الواقعة تكمن في توقيتها؛ إذ تأتي في ظل تقرير أوسع لـ«ذا سنتشري فاونديشن» تحدث عن شبكة إمداد محتملة تربط إيران والحوثيين بالساحل السوداني، وتحديداً بورتسودان. ويقول التقرير إنه استند إلى نحو 100 مقابلة، إضافة إلى صور أقمار صناعية وبيانات تتبع السفن وسجلات الموانئ والشحن وبيانات حركة الهواتف وتحليل تقني للأسلحة.
من اليمن إلى السودان.. البحر الأحمر تحت المجهر
وفق التقرير، فإن الحوثيين نقلوا منذ منتصف عام 2024 ثلاث شحنات على الأقل من الأسلحة الصغيرة والخفيفة إلى الجيش السوداني نيابة عن إيران، بينما تحدثت مصادر عن وجود عناصر حوثية في بورتسودان واستخدام المدينة، بحسب الادعاءات الواردة في التقرير، في عمليات نقل وتمويل وخدمات لوجستية. كما أشار التقرير إلى واقعة أخرى تتعلق بسفينة كانت تعمل سابقاً على خط جدة ـ بورتسودان، قبل أن تغلق نظام التعريف الآلي الخاص بها قبالة الساحل السوداني خلال مايو ويونيو 2025، ثم تتجه إلى اليمن وترسو قرب رأس عيسى. ووفق التقرير، أظهرت صور الأقمار الصناعية وجود طوق أمني وشاحنات حول موقع الرسو، بينما لم تظهر الحمولة المقدرة بنحو 3500 طن في سجلات الاستيراد الرسمية.
باحث: المصادرة لا تثبت وحدها مسار الشحنة
وقال باحث في شؤون النزاعات وشبكات التهريب، في تصريح تحليلي لـ«عين الحقيقة»، إن مصادرة شحنة يعتقد أنها وصلت من اليمن «تستحق التحقيق، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات وجود شبكة متكاملة لنقل الأسلحة». وأضاف أن إثبات مسار الشحنة يحتاج إلى «تحديد نقطة الانطلاق، والناقل، والوسيط، والمستلم النهائي، وفحص الأسلحة ومصدر تصنيعها وأرقامها التسلسلية، إلى جانب مطابقة المعلومات مع بيانات الملاحة والشحن». وأشار إلى أن «الخطورة الحقيقية تبدأ عندما تتحول السواحل السودانية إلى حلقة في شبكة إمداد عابرة للحدود، لأن ذلك يجعل الحرب السودانية جزءاً من منظومة صراعات إقليمية أوسع».
خبير أمني: البحر الأحمر أصبح مسرحاً للصراع
ويرى خبير أمني تحدث لـ«عين الحقيقة» أن البحر الأحمر يمثل «مساراً بالغ الحساسية لنقل الأفراد والمعدات»، مشيراً إلى أن تعدد الفاعلين المسلحين على جانبيه يجعل عمليات التهريب والنقل غير الرسمي أكثر تعقيداً. وقال إن أي تأكيد مستقل لوصول أسلحة من اليمن إلى السودان «سيعني أن خطوط الحرب لم تعد محصورة في الحدود السودانية، وإنما أصبحت مرتبطة بشبكات إقليمية تمتد من القرن الأفريقي إلى شبه الجزيرة العربية». وتتوافق هذه المخاوف جزئياً مع تحليل نشرته «تشاتام هاوس» في مايو 2026، خلص إلى أن تدفق الأسلحة والتمويل واللوجستيات الخارجية ساهم في استمرار الحرب السودانية، داعياً إلى تعطيل شبكات الإمداد الخارجية باعتبارها عاملاً أساسياً في إطالة النزاع.
بورتسودان.. عقدة استراتيجية
وتكتسب بورتسودان أهمية خاصة في هذه الرواية بسبب موقعها على البحر الأحمر. ويشير تقرير «ذا سنتشري فاونديشن» إلى أن المدينة أصبحت، وفق المصادر التي اعتمد عليها، نقطة محتملة في شبكة نقل الأسلحة والأفراد بين السودان واليمن. ويذهب التقرير إلى أن التعاون المزعوم لم يقتصر على الأسلحة، بل شمل احتمال وجود خبراء حوثيين ساعدوا في تدريب عناصر سودانية على تشغيل وتصنيع طائرات مسيّرة ذات صلة بتكنولوجيا إيرانية. كما أجرى التقرير مقارنة بين المسيّرة السودانية «سفاروق» والطائرة الإيرانية «أبابيل-T»، التي يستخدم الحوثيون نسخة منها تحت اسم «قاصف-2K»، وخلص إلى وجود تشابه كبير في التصميم والمواصفات، وهي نقطة وصفها التقرير بأنها مؤشر محتمل على انتقال المعرفة التقنية.
مراقب: المصادرة تكشف مشكلة أكبر
وقال مراقب للشأن السوداني لـ«عين الحقيقة» إن القضية «لا تتعلق فقط بشحنة أسلحة تمت مصادرتها، وإنما بالسؤال الأكبر: كم شحنة أخرى تمكنت من الوصول إلى وجهتها؟». وأضاف أن وجود شحنة تم ضبطها ـ إذا تأكدت تفاصيلها ـ «قد يشير إلى أن عمليات النقل البحري والجوي واللوجستي أصبحت جزءاً من اقتصاد الحرب، وأن بعض الأطراف قد تمتلك قنوات تسليح لا تمر عبر المؤسسات الرسمية». وأكد أن المطلوب هو «تحقيق مستقل وشفاف يكشف مصدر الشحنة والجهة التي كانت ستستلمها والجهة التي موّلتها، لأن ترك هذه الملفات بلا تحقيق يغذي الشائعات ويمنح شبكات السلاح فرصة أكبر للعمل بعيداً عن الرقابة».
ما الذي يمكن إثباته حتى الآن؟
تضع «عين الحقيقة» الوقائع المتاحة في ثلاث دوائر منفصلة: معلومة وردت في تقرير بحثي: مصادرة شحنة أسلحة صغيرة في مايو 2026 يُعتقد أنها وصلت من اليمن. ادعاء من مصادر التقرير: الشحنة كانت موجهة إلى حلفاء للحوثيين داخل الجيش السوداني وإلى حماس في غزة. سياق أوسع للتقرير: وجود شبكة محتملة لنقل الأسلحة والأفراد عبر البحر الأحمر، مع اعتبار بورتسودان إحدى نقاطها المحتملة. لكن هوية الشحنة، الجهة التي صادرتها، مسارها الدقيق، والجهة التي موّلتها أو استلمتها فعلياً، لا تزال بحاجة إلى أدلة مستقلة. وتبقى هذه النقطة جوهرية، خصوصاً أن اتهامات نقل السلاح عبر الحدود تحمل تداعيات أمنية وسياسية وقانونية واسعة.
الحرب السودانية.. من صراع داخلي إلى شبكة إمداد إقليمية؟
يرى خبراء أن أخطر ما تكشفه هذه المعطيات ليس شحنة واحدة، وإنما احتمال تشكل اقتصاد حرب عابر للحدود، تتداخل فيه الأسلحة والتمويل واللوجستيات والموانئ والجماعات المسلحة. وبالنسبة للسودانيين، فإن استمرار هذه المسارات يعني ببساطة المزيد من السلاح إلى حرب أنهكت البلاد، في وقت تتزايد فيه الدعوات الدولية إلى وقف تدفق الأسلحة الخارجية والعمل على وقف القتال بدلاً من تعزيز القدرات العسكرية لأطرافه. ويبقى السؤال مفتوحاً: إذا كانت شحنة من اليمن قد وصلت بالفعل إلى السودان وتمت مصادرتها، فكم من شحنات أخرى عبرت البحر الأحمر دون أن تُكتشف؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.