الاتحاد الأفريقي أمام اختبار الحياد.. قوى سودانية تطعن في شرعية «حوار البرهان»
تقرير ـ عين الحقيقة
وضعت قوى سياسية ومدنية سودانية مناهضة للحرب الاتحاد الأفريقي أمام اختبار جديد بشأن مدى حياده في الأزمة السودانية، بعد تقدمها بمذكرة وشكوى رسمية إلى مجلس السلم والأمن الأفريقي ومفوضية الشؤون السياسية، احتجاجاً على ترحيب المفوضية بمبادرة «الحوار السوداني ـ السوداني» التي أعلنها قائد الجيش عبد الفتاح البرهان.
وترى القوى الموقعة أن ترحيب الاتحاد الأفريقي بالمبادرة، في ظل قيادة طرف عسكري لأحد مساراتها، يمثل انحرافاً عن مبدأ الحياد، وقد يمنح غطاءً سياسياً لعملية تقول إنها تُدار من داخل مناطق خاضعة لسيطرة الجيش، وتخشى من توظيفها لإعادة ترتيب المشهد السياسي لمصلحة القوى المرتبطة بالنظام السابق. وضمت المذكرة، بحسب المعطيات الواردة، قوى إعلان المبادئ السوداني، وحزب الأمة، وحزب المؤتمر الشعبي، إلى جانب شبكات نسوية وشبابية ومنظمات مجتمع مدني وشخصيات أكاديمية وثقافية.
اعتراض على «حوار من طرف واحد»
القوى الموقعة اعتبرت أن ترحيب مفوضية الاتحاد الأفريقي بالمبادرة يتعارض مع الموقف المعلن للاتحاد الرافض للتغييرات غير الدستورية، ومع قرار تعليق عضوية السودان، كما رأت أن التعامل الإيجابي مع مبادرة يقودها أحد طرفي الحرب يضعف فرص بناء عملية سياسية مستقلة. وتقول المذكرة إن أي عملية سياسية جادة لا يمكن أن تبدأ من مناطق النفوذ العسكري، ولا يمكن أن تُبنى على مبادرة يطرحها طرف من أطراف النزاع ثم يُطلب من بقية القوى الالتحاق بها. ويرى مراقبون أن جوهر الخلاف لا يتعلق بمبدأ الحوار نفسه، وإنما بمن يحدد أجندته، ومن يشارك فيه، ومن يملك حق إنتاج مخرجاته وتحويلها إلى شرعية سياسية.
«الحوار» بوابة لإعادة الإسلاميين؟
وتضع القوى المعترضة مسألة مشاركة عناصر النظام السابق والحركة الإسلامية في صلب اعتراضها، متهمةً إياها بمحاولة استخدام واجهات سياسية وشخصيات مستقلة لإعادة تقديم نفسها باعتبارها جزءاً طبيعياً من العملية السياسية المقبلة. وبحسب المذكرة، فإن الخشية الأساسية تتمثل في أن تتحول دعوة الحوار إلى وسيلة للالتفاف على مطالب تفكيك النظام السابق والمحاسبة، وإعادة إدماج القوى المرتبطة بالمؤتمر الوطني والحركة الإسلامية في الحياة السياسية قبل حسم ملفات الحرب والانتهاكات والعدالة. ويقول خبير في الشأن السوداني، في قراءة تحليلية لـ«عين الحقيقة»، إن المشكلة ليست في مشاركة أي تيار سياسي من حيث المبدأ، وإنما في أن تتحول العملية السياسية إلى وسيلة لإعادة إنتاج القوى التي ارتبط اسمها بالحرب أو بالنظام السابق من دون معالجة ملفات المسؤولية والمحاسبة. ويضيف أن «أي حوار يكتسب شرعيته من طرف عسكري واحد سيكون معرضاً منذ البداية لأزمة ثقة، لأن السلام يحتاج إلى عملية يشعر المشاركون فيها بأن قواعدها متساوية وليست مفصلة مسبقاً لصالح طرف».
وقف الحرب قبل هندسة السلطة
وتتمسك القوى الموقعة على المذكرة بأن الأولوية يجب أن تكون لوقف الحرب والهدنة الإنسانية وحماية المدنيين، قبل الدخول في ترتيبات سياسية تتعلق بتوزيع السلطة أو تشكيل المؤسسات الانتقالية. وتحذر من أن تجاوز هذه الأولوية قد يؤدي إلى تحويل العملية السياسية إلى مفاوضات حول مستقبل السلطة، بينما تستمر المعارك ويظل ملايين السودانيين تحت وطأة النزوح والجوع وانهيار الخدمات. ويرى باحث سياسي تحدث إلى «عين الحقيقة» أن «أي حوار لا يبدأ بإنهاء معاناة المدنيين سيظل حواراً بين النخب أكثر منه عملية سلام». ويشير إلى أن نجاح أي مسار سياسي يتطلب الفصل بين مسار وقف إطلاق النار والمسار السياسي، مع ضمان عدم استخدام الوضع العسكري لفرض نتائج سياسية مسبقة.
أديس أبابا في مواجهة «حوار بورتسودان»
وتستند القوى المعترضة كذلك إلى التفاهمات التي خرجت بها اجتماعات القوى المناهضة للحرب في أديس أبابا، والتي طرحت عملية سلام تقوم على مسارات إنسانية وأمنية وسياسية مدنية. ومن وجهة نظر هذه القوى، فإن إطلاق حوار من داخل مناطق سيطرة الجيش، وفي ظل استمرار الحرب، قد يخلق مسارين متوازيين: مساراً مدنياً يسعى إلى وقف الحرب، ومساراً آخر تقوده السلطة العسكرية لإعادة ترتيب شرعيتها السياسية. وهنا تكمن واحدة من أخطر نقاط الخلاف: هل المطلوب حوار لإنهاء الحرب، أم حوار لإعادة تشكيل السلطة قبل إنهاء الحرب؟ ويقول مراقب إقليمي، في تقدير تحليلي لـ«عين الحقيقة»، إن الاتحاد الأفريقي سيكون أمام معضلة حقيقية إذا بدا أنه يمنح أحد طرفي النزاع أفضلية سياسية؛ لأن الوساطة لا تقوم فقط على إعلان الحياد، وإنما على إقناع الأطراف أن قواعد العملية السياسية متساوية بالنسبة للجميع.
مخاوف من «شرعنة الأمر الواقع»
وتحذر القوى السودانية من أن الاعتراف السياسي بأي عملية تنطلق من مناطق يسيطر عليها الجيش قد يؤدي بصورة غير مباشرة إلى تكريس واقع عسكري فرضته الحرب. وترى أن شرعية الدولة لا ينبغي أن تُستمد من السيطرة على المدن والمقار الحكومية، وإنما من عملية سياسية مدنية تستند إلى التوافق الشعبي والقانون والانتخابات. ويشير خبراء في الشأن الانتقالي إلى أن الخطر الأكبر يكمن في تحويل السيطرة العسكرية إلى ورقة تفاوضية للحصول على شرعية سياسية، لأن ذلك قد يشجع الأطراف المسلحة على السعي إلى تحسين مواقعها الميدانية قبل كل جولة سياسية بدلاً من الاستثمار في السلام.
القوى السودانية والاتحاد الأفريقي؟
تطالب المذكرة مجلس السلم والأمن الأفريقي ومفوضية الشؤون السياسية بتوضيح موقف الاتحاد من مبادرة البرهان، والتأكيد على حياد المنظمة القارية، وعدم منح أي طرف عسكري أفضلية في العملية السياسية. كما تدعو إلى توحيد مسارات الوساطة الإقليمية والدولية، وربط العملية السياسية بوقف إطلاق النار والهدنة الإنسانية، وضمان مشاركة واسعة للقوى المدنية والمجتمعية والشباب والنساء والمتضررين من الحرب. ويرى خبير في فض النزاعات أن «الاتحاد الأفريقي يستطيع استعادة الثقة إذا جعل معيار المشاركة هو الالتزام بالسلام والديمقراطية، وليس القرب من أي مؤسسة عسكرية أو سياسية».
المعركة الحقيقية حول شكل السودان بعد الحرب
لا تبدو أزمة «حوار البرهان» مجرد خلاف حول مبادرة سياسية، بل صراعاً أعمق حول من يملك حق تحديد شكل السودان بعد الحرب. فالقوى المدنية تخشى أن تتحول الحرب إلى بوابة لإعادة إنتاج النظام القديم بواجهات جديدة، بينما يسعى الجيش إلى تقديم نفسه باعتباره المؤسسة التي تقود عملية الانتقال وتحدد شروطها. لكن السؤال الذي سيظل مطروحاً أمام الاتحاد الأفريقي هو: هل يستطيع أن يكون وسيطاً بين السودانيين، أم يتحول ـ بقصد أو من دون قصد ـ إلى طرف يمنح الشرعية لمسار سياسي تقوده المؤسسة العسكرية؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.