رحلة غامضة إلى نيامي.. ماذا وراء مسار الطائرة SU-SKJ؟

تقرير ـ عين الحقيقة

أثارت رحلة جوية لطائرة ركاب مصرية من طراز Airbus A321-231 تحمل التسجيل SU-SKJ، وتديرها شركة Sky Vision Airlines، تساؤلات بشأن طبيعة الحركة الجوية بين السودان ومصر والنيجر، في توقيت شديد الحساسية أعقب محاولة الانقلاب التي شهدتها العاصمة النيجرية نيامي في 29 أغسطس الماضي. وبحسب بيانات تتبع الرحلات المتاحة علناً، غادرت الطائرة الخرطوم في الأول من سبتمبر 2026، وسجلت رحلة 0S1111 مساراً من الخرطوم إلى الأقصر، قبل أن تواصل الرحلة إلى نيامي، حيث وصلت في وقت لاحق من اليوم نفسه. كما تظهر بيانات التتبع رحلة العودة المجدولة من نيامي في اليوم ذاته. وتؤكد بيانات شركة Sky Vision Airlines أن الشركة مصرية وتعمل في رحلات الركاب والشحن، وأن أسطولها يضم طائرات من عائلة إيرباص، فيما تظهر الطائرة SU-SKJ ضمن طائرات الشركة.

 

مسار غير اعتيادي يفتح باب الأسئلة

 

المثير في الرحلة ليس مجرد وجود طائرة مصرية على خط الخرطوم ـ نيامي، وإنما توقيت الرحلة ومسارها عبر الأراضي المصرية، بالتزامن مع أزمة أمنية وسياسية حادة في النيجر. ففي 29 أغسطس، شهدت نيامي اشتباكات وهجمات نفذها جنود متمردون استهدفت مواقع حساسة، بينها المطار الرئاسي ومجمع المطار، قبل أن تعلن السلطات استعادة السيطرة على المواقع التي تعرضت للهجوم. وفي أعقاب تلك الأحداث، دخلت قوى إقليمية على خط الأزمة؛ إذ أعلنت مصر أنها تتابع التطورات في النيجر وتدعم أمن البلاد واستقرارها وسلامة مؤسساتها، بينما أكدت استعدادها لدعم الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار في منطقة الساحل. كما أن القاهرة لديها بالفعل قنوات تعاون أمني مع نيامي؛ إذ تشير البيانات الرسمية المصرية إلى لقاءات بين سفيرها في النيجر ومسؤولين سياسيين وعسكريين نيجريين، مع تأكيد القاهرة استعدادها لتعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي وتبادل الخبرات.

 

السودان ومصر.. تعاون أمني سابق

 

ولا تأتي الأسئلة حول الرحلة من فراغ. فالعلاقات الأمنية والعسكرية بين القاهرة وبورتسودان لها جذور سابقة على الحرب الحالية، كما أن البلدين وقعا اتفاقات للتعاون العسكري والأمني. وفي فبراير 2026، أعلنت القاهرة أن مباحثاتها مع المسؤولين السودانيين تناولت استمرار التنسيق والتشاور بشأن الأزمة السودانية، فيما أكدت في مناسبات أخرى دعمها لوحدة السودان ومؤسسات الدولة ورفض إنشاء كيانات موازية. كما أن القاهرة تستضيف بصورة دورية اجتماعات مرتبطة بالجهود الإقليمية والدولية للسلام في السودان، بمشاركة الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والولايات المتحدة ودول أخرى.

 

خبراء: الرحلة وحدها لا تكفي لإثبات مهمة استخباراتية

 

وقال باحث في شؤون الأمن الإقليمي تحدثت إليه “عين الحقيقة” إن أهمية الرحلة تكمن في توقيتها أكثر من مسارها وحده، مشيراً إلى أن “وجود خط جوي بين ثلاث عواصم في منطقة مضطربة يعني وجود مهمة أمنية، ويصبح جديراً بالتدقيق عندما يتزامن مع أزمة سياسية وعسكرية كبيرة”. وأضاف أن التحقق الحقيقي يتطلب “مطابقة الرحلة مع حركة الوفود الرسمية، وأسماء الركاب، ومواعيد الاجتماعات في نيامي، وأي تحركات لطائرات أو مسؤولين آخرين في الفترة نفسها”.

 

من جهته، يرى متخصص في شؤون الساحل الأفريقي أن محاولة الانقلاب الأخيرة في النيجر أعادت البلاد إلى قلب الحسابات الإقليمية، خصوصاً أن نيامي أصبحت ساحة تنافس بين قوى أفريقية ودولية متعددة. وقال لـ”عين الحقيقة” إن “أي تحرك سوداني أو مصري باتجاه النيجر في هذا التوقيت يجب قراءته ضمن المشهد الإقليمي الأوسع، بوصفه تنسيق استخباراتي.

 

بورتسودان والقاهرة في ملف النيجر؟

 

السؤال الذي تطرحه “عين الحقيقة” لا يتعلق بالطائرة وحدها، وإنما بما إذا كانت السودان ومصر تحاولان تنسيق مواقفهما تجاه التحولات المتسارعة في منطقة الساحل. فالنيجر ليست دولة هامشية في الحسابات الإقليمية؛ موقعها الجغرافي، ومواردها، وعلاقاتها المتغيرة مع روسيا والغرب، إضافة إلى عضويتها في تحالف دول الساحل مع مالي وبوركينا فاسو، تجعل أي تحول سياسي فيها ذا انعكاسات تتجاوز حدودها. وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الأزمة في النيجر أصبحت بالفعل موضع اهتمام إقليمي واسع. وفي 3 سبتمبر، أعلن الاتحاد الأفريقي إدانته لمحاولة الاستيلاء على السلطة بالقوة، مؤكداً دعمه للسلام والاستقرار والعودة إلى النظام الدستوري.

 

أسئلة تنتظر الإجابة

 

حتى الآن، يمكن تثبيت ثلاث حقائق: أولاً: الطائرة SU-SKJ تابعة لشركة مصرية، ومسارها المعلن في الأول من سبتمبر شمل الخرطوم والأقصر ونيامي. ثانياً: الرحلة جاءت بعد أيام من محاولة انقلاب في نيامي وفي ظل توتر أمني وسياسي إقليمي كبير. ثالثاً: توجد علاقات وقنوات تعاون مصرية مع النيجر، إلى جانب علاقات أمنية وعسكرية مصرية ـ سودانية قائمة منذ سنوات. أما الاستنتاج بأن الرحلة كانت مهمة استخباراتية مشتركة بين بورتسودان والقاهرة لترتيب المشهد السياسي والأمني في النيجر، فلا يزال بحاجة إلى أدلة إضافية. وهنا تكمن أهمية التحقيق في معرفة من كان على متن الطائرة، ومن التقى بمن في نيامي، وما الذي جرى في محطة الأقصر، وما إذا كانت الرحلة جزءاً من تحرك دبلوماسي معلن أم مهمة غير معلنة. ففي منطقة تتحول فيها الطائرات المدنية أحياناً إلى جزء من شبكات النقل السياسي واللوجستي، قد تكون تفاصيل رحلة واحدة كافية لفتح ملف إقليمي كامل.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.