ترشيح البرهان.. «الكيزان» مرة أخرى

نورا عثمان

يبدو أن السودان، في نظر بعض القوى التي أدارت ظهرها لثورة ديسمبر، مطلوب منه أن يدور في الحلقة نفسها: حربٌ تستهلك البلاد، وسلطة عسكرية تبحث عن شرعية، وإسلاميون يحاولون العودة من النوافذ بعد أن أُغلقت أمامهم الأبواب. وفي قلب هذا المشهد يطل اسم عبد الفتاح البرهان بوصفه مرشحاً محتملاً، لا كحلّ لأزمة السودان، وإنما باعتباره عنواناً لسؤال أكبر: هل يجري تجهيز البلاد لإعادة إنتاج حكم الإسلاميين بواجهة عسكرية جديدة؟ المشكلة ليست في شخص البرهان وحده. المشكلة في المشروع السياسي الذي يقف خلفه، وفي القوى التي ترى أن أفضل طريقة لحماية نفوذها هي إبقاء السودان في حالة حرب واستنفار دائمين، ثم تقديم المؤسسة العسكرية باعتبارها البديل الوحيد للفوضى. هذه هي المعادلة التي ينبغي أن يرفضها السودانيون بوضوح.

 

لم يكن الإسلاميون في السودان مجرد حزب سياسي عادي. حكموا البلاد لثلاثة عقود، وأعادوا تشكيل مؤسسات الدولة والجيش والأمن والاقتصاد وفق مشروعهم السياسي، قبل أن تطيح بهم ثورة ديسمبر. واليوم، وبعد سنوات من سقوط نظام عمر البشير، تحاول قوى محسوبة على النظام القديم استعادة موقعها في المشهد، مستفيدة من الحرب والانقسام والخوف. وهنا يصبح ترشيح البرهان، إن تحول إلى مشروع سياسي فعلي، مناسبة لإعادة طرح السؤال الذي حاول كثيرون دفنه: هل السودان ذاهب إلى انتخابات حقيقية، أم إلى إعادة تدوير منظومة سياسية سقطت في الشارع؟ فالانتخابات ليست مجرد صندوق اقتراع وصور مرشحين وشعارات وطنية. الانتخابات الحقيقية تحتاج إلى دولة مدنية، وحريات عامة، وإعلام مستقل، وقضاء قادر على حماية المنافسة، وقواعد متساوية لجميع القوى السياسية. أما أن تبدأ العملية السياسية من فوق، بينما السلاح حاضر بقوة، والحرب لم تُغلق ملفاتها، وملايين السودانيين بين النزوح والفقر والجوع، فذلك ليس انتقالاً ديمقراطياً؛ بل محاولة لصناعة شرعية جديدة من فوق أنقاض الدولة.

 

«الكيزان» لا يحتاجون إلى اسمهم القديم

 

المفارقة أن الإسلاميين قد لا يحتاجون إلى العودة تحت اسم «المؤتمر الوطني». يمكن أن يعودوا عبر واجهات جديدة، وشخصيات مستقلة، وتحالفات مؤقتة، وخطاب وطني يرفع شعار الجيش والدولة والسيادة. وهنا يجب أن يكون وعي السودانيين أكبر من لعبة الأسماء. السؤال ليس: هل ظهر المؤتمر الوطني في واجهة المشهد؟

 

السؤال الحقيقي هو: من يملك القرار؟ ومن يحدد الأجندة؟ ومن يمول النشاط السياسي؟ ومن يريد حماية شبكات المصالح القديمة؟ ومن يرفض تفكيك دولة الحزب الواحد؟ إذا كانت الإجابات تقود إلى القوى نفسها التي صنعت دولة الإنقاذ، فإن تغيير اللافتة لن يغير الحقيقة. أخطر ما يمكن أن يحدث هو استخدام الحرب باعتبارها تفويضاً سياسياً مفتوحاً. أن يقال للسودانيين: البلد في حالة حرب، إذن لا وقت للديمقراطية. ثم بعد ذلك: البلد يحتاج إلى الاستقرار، إذن لا وقت لمحاسبة المسؤولين. ثم: البلد مهدد، إذن لا وقت لتفكيك شبكات النظام السابق. وهكذا تتحول الحرب من مأساة وطنية إلى وسيلة لتعليق كل الأسئلة السياسية. لكن الشعب السوداني لا يستطيع أن يدفع ثمن الحرب إلى ما لا نهاية. من حق السودانيين أن يعيشوا، وأن يأكلوا، وأن يتعلم أبناؤهم، وأن يعرفوا من يحكمهم وكيف يحكمهم.

 

حتى لو افترضنا أن البرهان قرر خوض الانتخابات، فإن السؤال الأهم سيظل قائماً: بأي دولة ستُجرى هذه الانتخابات؟ دولة مدمرة؟ أم دولة تسيطر عليها البنادق؟ أم دولة تُقصى منها قوى سياسية بينما تُعاد هندسة المشهد لمصلحة قوى أخرى؟ الدولة التي يحتاجها السودان ليست دولة الجنرال، ولا دولة الإسلاميين، ولا دولة الدعم السريع، ولا دولة أي تنظيم سياسي آخر. السودان يحتاج إلى دولة مؤسسات. ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست حول اسم المرشح القادم، وإنما حول طبيعة النظام الذي سيأتي بعد الحرب.

 

قد يحاول البعض إقناع السودانيين بأن ثورة ديسمبر أصبحت جزءاً من الماضي. لكن ديسمبر لم تكن مجرد مظاهرات انتهت بسقوط البشير. كانت احتجاجاً على فكرة أن تتحول الدولة إلى ملكية خاصة لجماعة سياسية أو مؤسسة عسكرية. وكان شعارها الأساسي أكبر من تغيير شخص في القصر. كان مطلبها أن يصبح السودان دولة مواطنين، لا دولة تنظيم أو جنرالات. ولهذا فإن أي محاولة لإعادة إنتاج النظام القديم، تحت أي اسم، ستصطدم بالسؤال الذي لم يجد السودانيون له إجابة حتى الآن: لماذا قامت ديسمبر أصلاً؟

 

السودان لا يحتاج إلى نسخة جديدة من الماضي. لا يحتاج إلى «إنقاذ» أخرى، ولا إلى انتخابات تُستخدم لتجميل واقع عسكري، ولا إلى إسلاميين يختبئون خلف واجهات سياسية، ولا إلى قوى مسلحة تحدد وحدها شكل المستقبل. المطلوب واضح: وقف الحرب أولاً. ثم فتح الطريق أمام عملية سياسية مدنية حقيقية، تضمن مشاركة السودانيين بعيداً عن الإقصاء، وتضع أسس العدالة والمحاسبة، وتمنع إعادة إنتاج منظومة الاستبداد. أما ترشيح البرهان، إذا كان مقدمة لعودة المشروع القديم بواجهة جديدة، فهو ليس مجرد ترشح انتخابي. إنه اختبار حقيقي لقدرة السودانيين على منع التاريخ من العودة إلى الوراء. والسؤال الذي يجب أن يطرح اليوم ليس: من سيكون الرئيس؟ بل: هل سيكون السودان بعد الحرب دولة مواطنين، أم يعود مرة أخرى إلى دولة «الكيزان» ولكن بوجه جديد؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.