النقد الكثيف الذي واجه به الرأي العام أعضاء ما يسمى لجنة تهيئة الحوار السوداني – السوداني التي يرعاها عبد الفتاح البرهان، ليس مجرد رد فعل عابر، بل دليل واضح على يقظة شعبية متزايدة. صحيح أن بعض هذه الانتقادات خرجت عن حدود الموضوعية، ووصلت في لحظات إلى مستوى السباب، والتجريح الشخصي، بحق قامات علمية، وأكاديمية، وثقافية، معروفة، إلا أن هذا الغضب نفسه يعكس حجم الإحباط المتراكم لدى الناس تجاه فئة من المثقفين الذين ما زالوا يفصلون للحاكم مقاسات جلباب السلطة على مقاس استبداده.
منذ أيام الاستعمار، ظهر في الساحة السودانية نموذج المثقف الذي يجيد التحايل بالألفاظ، ويدّعي العمق في التحليل السياسي، ويستند إلى حجة “المصلحة الوطنية” ليبرر هرولته نحو مناصب السلطة، أو لتحقيق مآرب شخصية. هذا النمط لم ينتهِ مع الاستقلال، بل ازداد حضوراً. فالمثقف الانتهازي يملك دائماً من السعة في الخيال ما يجعله أشبه بالساحر الذي يخدع جمهوره بمفرداته الرنانة، ومواقفه الرمادية.
وهو نفسه الذي ابتذل بعد الاستقلال المفردات اللغوية، والفصاحة اللسانية، ليؤكد قدرته على سحر القراء، والمستمعين، بمواقف تبدو وطنية في ظاهرها، لكنها غير واضحة في جوهرها، وهدفها الحقيقي نيل حظوة الوزارة، أو السفارة، أو أي منصب يضمن له القرب من دوائر القرار.
لا نرى في تبريرات الذين هرولوا إلى نداء البرهان، وتنصيب أنفسهم “شهود زور” على جرائمه، سوى خمر عتيق في قوارير جديدة.
ففي كل مرحلة من مراحل نضال المثقفين الشرفاء من أجل بناء دولة وطنية مستقرة تقوم على التداول السلمي الديمقراطي للسلطة، يظهر من يتخلف عن السير نحو هذا المثال، وينتظر لحظة البرق السياسي ليعرض بضاعته الفكرية، ويلتحق من ثم بقطار السلطة. هؤلاء لا يفشلون فقط في حماية استقلال كلمتهم كمثقفين، بل يساهمون في تكريس صورة المثقف كأداة طيعة في يد الحاكم، بدلاً من أن يكون ضميراً حياً يرفض المساومة المعززة لاستدامة التدهور المجتمعي. والأخطر من ذلك أنهم يخونون الأمانة العلمية حين يتواطؤون مع الديكتاتور في قمع الشعب، بدلاً من التعبير عن أحلامه الديمقراطية المتمثلة في إنجاز السلام، والاستقرار، والحرية، والعدل.
إن الغضب الشعبي اليوم ليس موجهاً بذاته فقط ضد أشخاص بعينهم، بل أيضاً ضد ظاهرة متكررة في تاريخنا المعاصر: توفر المثقف الذي يبيع موقفه في سوق المناصب، ثم يعود ليبرر خيانته بمفردات الوطنية، والمصلحة العليا. وهذا النوع من المثقفين لا يخدم الحوار الحقيقي، ولا يبني سلاماً، بل يعيد إنتاج الاستبداد باحتيال سياسي أكثر نعومة.
وقد جاءت بيانات وردود الإخوة والأخوات الذين وجدوا أنفسهم رؤساء وأعضاء في هذه اللجنة، والتي لا ندري من اختارهم لها، لتكشف عن ابتعادهم عن جوهر ميراث ثورة ديسمبر. فقد أكدوا حضور قادة الحركة الإسلامية في هذا المحفل، وهم يدركون تماماً أن مواقفهم السابقة ساهمت في إسقاط مشروع تلك الحركة، وأن الثورة قطعت بين زمانين، وحددت استرداد الدولة من أيدي الإسلاميين، وعزل قادتهم عن المشاركة في ترتيبات الانتقال نحو الديمقراطية. وهذا الإجراء، إلى جانب أنه يقضي على مستحقات الثورة التي عرقلها الإسلاميون، فإنه يكرس الفكرة الأساسية للحرب: وأد الثورة وإعادة “المشروع الحضاري” بشكل جديد، وأكثر دموية.
فضلاً عن ذلك، فإن بيان اللجنة، وتعليقات رئيسها، وأعضائها، على الأسئلة المنطقية التي أثارها الجمهور لم تظهر أي إيمان حقيقي بإمكانية أن يقود حوار البرهان إلى استئناف الانتقال الديمقراطي، ناهيك عن إزالة التمكين الإسلاموي في أجهزة السلطة، ومحاسبة الحركة الإسلامية على جرائمها، ومحاكمة مفسديها، وضرورة أن تخرج توصيات الحوار ببنود تؤكد عدم الإفلات من العقاب عن كل جرائم الانقلاب، والحرب.
نعتقد أن المثقفين الذين رضوا بصناعة هذا الوضع الجديد لحراكهم الوطني قد التقطوا شفرة الحركة الإسلامية والبرهان، فجعلوا ألسنتهم لا تنطق إلا بما يؤسس لمرحلة جديدة لا علاقة لها بسياق ثورة ديسمبر، والمساعي الثورية قبلها لتوطين التداول السلمي للسلطة. وهي مرحلة تهدف فقط إلى قطع الطريق أمام أي دعوة مجددة لإعادة العسكر إلى الثكنات، وحل المليشيات، أو محاسبتهم على ما اقترفوه من جرائم بعد الانقلاب، وأثناء الحرب.
لقد جاءت استقالة د. نعمات الزبير كصحوة ضمير تؤكد صحة موقفنا من هذا الحوار الذي يقنّن لسلطة البرهان ما قد يعرّض البلاد لخطر التقسيم الجغرافي، كما حذر كتاب – وشخصيات مرموقة – من خطورة هذه الخطوة على مستقبل البلاد قبل إيقاف الحرب. ونأمل أن يعود هؤلاء المثقفون إلى صوابهم، حتى لا يسهموا في تجزئة البلاد بحوار لا طائل من ورائه، وليس له هو أولوية أمام أولوية إيقاف شلال الدماء، ووقف التحطيم المستمر للبلد، ورفع معاناة المواطنين التي وصلت بسبب القتال إلى مستوى غير مسبوق في تاريخ البلاد.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.