«البقاء ليس للأقوى ولا للأذكى، البقاء للأكثر استجابة للتغيير..
«تشارلز داروين»
هل المفاوضات المباشرة خطيئة أو تنازلًا؟ هل لقاء قائدي الجيش والدعم السريع للنقاش ووقف الحرب جريمة أو نقص؟
التسامح هو قيمة إنسانية وأخلاقية تعني العفو عن المسيء والتجاوز عن الأخطاء، مع القدرة على الرد، وهو ركيزة إنسانية لبناء المجتمع وترابطه!
في ثقافة الراكوبة في دارفور، عند الصلح بين قبيلتين، يقول أحد الحكماء: «الله ينعل الشيطان»، تُعفى الحقوق بما فيها الدم، ويتسامح الأشخاص والمجتمع، وينفض الجمع، ويتعايش الناس، ويتكرر المشهد أحيانًا كثيرة، وهذه هي صيرورة الحياة!
السودانيون وحدهم تحت أرجلهم جمرة النزوح واللجوء والحوجة والجوع والإذلال والقهر والفاقة والغلاء والوجبة الواحدة في اليوم والمرض!
والسودانيون وحدهم، أغلبيتهم الكبيرة جدًا، في أمسّ الحاجة للسلام والتعايش، هذا في غرب السودان ووسطه وشماله وشرقه، وهذه هي الحقيقة!
سيأتي بعض المستفيدين من الحرب ويقولون: هل ننسى تشريدنا وسرقتنا؟ وأي نسيان هذا، وأي موقف هذا الذي تصبح فيه دماء السودانيين أقل قيمة من الحسابات السياسية؟
سبق وأن كتبت أن لجنة الحوار هذه لا تحل المشكلة السودانية!
حل المشكلة السودانية يكمن في لجنة قانونية محترفة تضع قانون تنظيم العمل السياسي وقانون الأحزاب وقانون الانتخابات، ومن ثم قيام انتخابات ننتخب فيها من يصنع دستورًا يقينا شر الحروب مستقبلًا!
كيف الوصول لهذه اللجنة؟
إعلان لقاء قائدي الجيش والدعم السريع دون شروط، وإعلان هدنة ووقف إطلاق النار، والشروع في حوار دون قسمة للسلطة، فقسمة السلطة تترك لما بعد الانتخابات!
الآن نحن نحتاج للجميع داخل قاعة الحوار: الجيش وحلفاءه، والدعم السريع وحلفاءه، «صمود»، والإسلاميين، وعبد الواحد، والشيوعيين!
بعد الحوار والنتائج، ستجدون أن من أهم وصايا السودانيين هي قيام انتخابات ليختار الشعب، في ضوء النهار، من يحكمه ومن يصنع دستوره!
هذه الإجراءات ليست تنازلًا، إني أراها أداة من أدوات العمل السياسي. والسياسة ليست فقط أن ترفض وتتعنت التفاوض، إنما السياسة هي أن تعرف متى تجلس ولماذا تفاوض؟ وما الذي تريد تحقيقه؟ وما الذي ترفض أن تقدمه؟ ومن هذا المنطلق، فإن المفاوضات المباشرة لا تنتقص من الموقف ولا تعني التراجع، بل يمكن أن تكون إحدى أدوات إدارة الصراع وتحقيق المصالح، ولا توجد مصلحة أسمى وأفضل من إيقاف الحرب ووقف معاناة السودانيين.
إن الأمم القوية تبني على الذاكرة والعدالة، فلا مستقبل يُبنى فوق تجاهل المظلومين، ولا استقرار يقوم على دفن الحقائق، ولا مصالحة حقيقية دون اعتراف أو محاسبة وإنصاف! وهذا ببساطة يعني أن من أجرم في حق السودانيين سيطاله القانون، لكن وقف الحرب، ومن ثم الحقيقة والعدالة التصالحية.
لقد توصلت هولندا وجزر سيلي إلى اتفاق لوقف الحرب التي استمرت لـ335 عامًا، وتوصلت إنجلترا وفرنسا إلى اتفاق سلام دائم بعد الحرب المئة عام!
مهما استمرت هذه الحرب، لا بد أن تقف، وعلينا استثمار الوقت ووقفها الآن!
أحيانًا نحتاج إلى هدنة مع الحياة، ليس علينا أن نحارب كل هذا الوقت. لقد حارب السودانيون منذ المهدية وحروب الاستقلال، وحرب جنوب السودان، وحرب دارفور، والآن الحرب الأهلية الشاملة كما أراها!
هذه الحرب علمتنا كيف نكافح وكيف نصنع من اللاشيء شيئًا، وحان وقت صنعنا لسلام دائم يريده كل السودانيين.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.