من رب الفور الي جلاد الخرطوم مسيرة جنرال لا يمل الدم

نفيسة حجر

​لم يكن الجنرال عبد الفتاح البرهان مجرد عسكري يؤدي واجبه حينما كان ضابطاً صاعداً في حاميات وسط دارفور وبحسب شهادات ناجين وتقارير حقوقية فقد كان يردد في جلساته الخاصة قائلا (أن الله في السماء وأنا على الأرض).
عبارة رب الفور التي تناقلتها ألسنة الأهالي بسخرية ومرارة لم تكن مزاحاً عابراً بل كشفت عن تخطيط مبكر للاستيلاء على السلطة وعن نظرته الاستعلائية التي استباحت دماء أهالي دارفور وسرقة مقدرات اقليمهم من ذهب جبل عامر وغيره عبر حرس الحدود وصولاً للدعم السريع والتعامل معها كأنما هي غنيمة حرب في يد قائد بلا ضمير ولا قانون رادع.
​لم تكن سنواته في دارفور مجرد مهمة عسكرية بل كانت بروفة دموية لإدارة عنف ممنهج حيث تحولت الحاميات تحت إمرته إلى مراكز لتنسيق عمليات التطهير العرقي وحماية ميليشيات الجنجويد التي كان يقودها الزعيم القبلي موسى هلال في مشهد جعلت فيه حياة المدنيين بلا قيمة ليتاجر بها في سوق النفوذ والعبث.
​الناظر لتلك الحقبة التي وثقتها تقارير الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية والمدافعون الحقوقيون يجدها رسمت ملامح رجل تعلم فن هندسة الموت ومارس سلطة رب الفور بلا وازع هذا من جانب .
ومن جانب اخر إذا نظرنا إلى موسى هلال باعتباره أحد شركاء الأمس ومؤسس الجنجويد فإن مساره يعكس ذات البراعة الشيطانية للبرهان فقد اندلعت صدامات دامية بينه ووالدعم السريع وذلك في نوفمبر 2017 على خلفية جمع السلاح حينها رفض هلال تسليم سلاح القبيلة و نصب كميناً لعربتين عسكريتين تابعتين لقوات الدعم السريع كانتا في طريقهما إلى الفاشر ضمن حملة جمع السلاح وهو الكمين الذي أسفر عن مقتل العميد عبدالرحيم جمعه دقلو وتسعة من جنود الدعم السريع وإثر ذلك اعتُقل هلال وقضى فترة طويلة سجيناً ليخرج لاحقاً عبر تسوية مع قيادة الدعم على إثرهاأدى القسم أمام ناظر الرزيقات متعهداً بترك العمل السياسي والحربي غير أن نزعة الثأر الشخصي والرغبة الجامحة في الانتقام ممن أذله وسجنه دفعته للعودة لينقض عهده متحالفاً مجدداً مع البرهان حانثاً بيمينه متخبطاً في فلك صراعات السلطة بلا مبدأ سوى الانتقام.
​وحين انتفض السودانيون في ثورة ديسمبر المجيدة بحثاً عن الحرية والكرامة لم يكن رب الفور يوماً جزءاً من هذه الثورة العظيمة بل جُيء به من قبل اللجنة الأمنية عبر ترتيبات وتسويات ليعتلي المشهد مرتدياً ثياب المنقذين بغاية وأد أحلام الثورة و تطلعات الشارع ويتجلى ذلك بوضوح حينما فُضّ اعتصام القيادة بكل وخشية ليبقي في كرسي السلطة علي حساب أشلاء الشهداء ومستمتعاً بأنات الثكالى ليتصدر المشهد السياسي زيفاً.
​في السابق كان رب الفور كما اسمي نفسه يحدثنا عن حلم والده الذي رأى في منامه أن ابنه سيصبح ذا شأن عظيم في السودان بل رئيساً لهذا البلد فلم تكن تلك الرؤيا مجرد حكاية عابرة يرويها في اللقاءات التلفزيونية بل كانت كما يرى كثيرون المحور الذي تدور حوله أفكاره ومبرراً لتشبثه المطلق بالسلطة ورفضه لتقاسمها مع أعضاء مجلس السيادة. ويتجلى هذا النهج في تكرار تبديل أعضاء المجلس وإعادة تشكيله مراراً وكأنما كان يبحث عن شركاء لا يشاركونه القرار بل يوقعون على ما يمليه عليهم فلا يلبث أن يستبدلهم حين يشعر بأي بادرة خطر تهدد عرشه.
​غير أن الخامس عشر من أبريل 2023 جلب معه انفجار المواجهة العسكرية بين البرهان وقوات الدعم السريع تلك الحرب العبثية التي دمرت أغلب مدن السودان وألقت بملايين السودانيين في أتون النزوح والشتات لم تكن سوى امتداد لمنطق رب الفور ذاته بهدف اشباع نهمه في الاستيلاء على السلطة وإقامة عرشه على جماجم المدنيين.
​واليوم بينما تستمر آلة الحرب في حصد الأرواح وتجويع الملايين لا يمل البرهان من تدوير ألاعيبه الشيطانية محاولاً الالتفاف على دماء الشهداء وحقوق الضحايا من خلال حواره المشوه ومبادراته الواهية التي فصلها على مقاس بقائه طامحاً عبثاً في إعادة غسل سيرته الدموية وطمس جرائمه وضمان استمراره على عرش الدم.
​لكن مهما تطاول ليل الطغيان وتنوعت مؤتمرات تبييض السجلات فإن جرائم دارفور والخرطوم وغيرها من المدن ستظل حية في ذاكرة التاريخ فهي ليست مجرد وقائع بل شاهد على أن الحساب آتٍ لا محالة وأن الدمار الذي زرعه رب الفور في أرض السودان سيظل وصمة في جبين كل من ظن أن السلطة تُبنى على رماد جثث الشعوب.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.