حوار البرهان يشعل بورتسودان.. حلفاء الأمس أمام اختبار مصيري

تقرير: عين الحقيقة

يبدو أن رئيس مجلس السيادة في حكومة بورتسودان والقائد العام للجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وجد نفسه في مأزق سياسي متزايد بسبب الحوار الذي طرحه باعتباره مدخلًا للانتقال من مرحلة الحرب إلى مرحلة سياسية جديدة. فبدلًا من أن يتحول الحوار إلى مظلة تجمع القوى المتحالفة مع معسكر بورتسودان، بدأت تداعياته تكشف خلافات عميقة داخل المعسكر نفسه، بما في ذلك اعتراضات من قوى ظلت طوال الفترة الماضية جزءًا من منظومته السياسية والعسكرية.

المفارقة الأكثر إثارة أن الحوار، الذي يفترض أن يكون أداة لإنهاء الأزمة، أصبح هو نفسه مصدرًا لأزمة جديدة داخل معسكر البرهان

والمفارقة الأكثر إثارة أن الحوار، الذي يفترض أن يكون أداة لإنهاء الأزمة، أصبح هو نفسه مصدرًا لأزمة جديدة داخل معسكر البرهان. فما يحدث لا يبدو مجرد خلاف حول إجراءات الحوار أو مكان انعقاده أو القوى المشاركة فيه، بل يعكس صراعًا أعمق حول السؤال الأكثر حساسية: من سيحكم السودان بعد الحرب؟ وبأي شرعية؟ ومن ستكون له الكلمة الأخيرة في تشكيل المرحلة المقبلة؟

البرهان يتحرك قبل أن يرتب بيته

يبدو أن البرهان اندفع نحو طرح مسار الحوار قبل أن يحسم بصورة واضحة علاقته بحلفائه الذين وقفوا معه سياسيًا وعسكريًا منذ انقلاب أكتوبر 2021 وما تلاه من حرب. وهؤلاء الحلفاء لم يكونوا مجرد أطراف هامشية في المشهد، بل أصبح بعضهم جزءًا من المعادلة السياسية والعسكرية التي استند إليها معسكر بورتسودان خلال الحرب. لكن الانتقال من منطق الحرب إلى منطق التسوية السياسية يفرض إعادة ترتيب الأوراق.

وهنا بدأت المشكلة.

فالحلفاء الذين احتاج إليهم البرهان في مرحلة الحرب يريدون معرفة موقعهم في مرحلة ما بعد الحرب وما بعد مخرجات الحوار أيضًا، بينما يبدو أن قائد الجيش بدأ يتعامل مع الحوار باعتباره مسارًا جديدًا يمكن أن يعيد تشكيل سلطته بالتحالف مع الإسلاميين بقيادة علي كرتي وأحمد هارون، دون أن تكون جميع القوى التي دعمته قد حصلت على إجابات واضحة بشأن مستقبل نفوذها ومواقعها. ومن هنا يمكن فهم جانب من الاعتراضات التي صدرت عن قوى الكتلة الديمقراطية.

الكتلة الديمقراطية.. رفض الحوار أم رفض قواعده؟

دعمت الكتلة الديمقراطية مبدأ الحوار خلال الفترة الماضية، ولذلك فإن اعتراضها الحالي لا يمكن اختزاله بسهولة في كونه رفضًا للحوار من حيث المبدأ. والأقرب أن الخلاف يدور حول كيفية إدارة الحوار، ومن يملك مفاتيحه، وما الذي سيترتب عليه. فحين تشعر القوى التي شاركت في معسكر واحد خلال الحرب بأن القيادة بدأت تتحرك منفردة نحو تسوية سياسية قد تعيد توزيع السلطة والنفوذ، يصبح القلق مفهومًا، حتى وإن لم يكن مشروعًا بالضرورة.

وتحمل تصريحات مني أركو مناوي الأخيرة دلالة سياسية مهمة في هذا السياق، خصوصًا تحذيره من أن إجراء حوار سياسي في مناطق سيطرة الجيش قد يدفع الطرف الآخر إلى إنشاء عملية سياسية مقابلة في مناطق سيطرته، بما قد يفتح الباب أمام تكريس الانقسام الجغرافي والسياسي. والمفارقة هنا أن هذا التحذير يكشف، ولو بصورة متأخرة، خطورة محاولة إنتاج شرعية سياسية فوق واقع عسكري منقسم. فالسودان لا يعيش أزمة حوار فقط، بل يعيش أزمة جغرافيا وسلطة وشرعية. وأي عملية سياسية لا تتعامل مع هذه الحقيقة قد تنتهي إلى إنتاج سلطتين بدلًا من إنهاء الحرب.

من الحرب إلى مشروع السلطة

القلق الأكبر لا يتعلق بالحوار ذاته، وإنما بالمسار الذي يمكن أن يقود إليه. فإذا تحولت المبادرة إلى وسيلة لإعادة إنتاج السلطة القائمة، بدلًا من تأسيس عملية انتقال سياسي شاملة، فإن الحوار سيفقد جوهره ويتحول إلى أداة لإضفاء شرعية جديدة على واقع فرضته الحرب. وهنا تبرز المخاوف من أن تكون هناك محاولة لإطالة المرحلة الانتقالية وإعادة بناء مركز السلطة حول قيادة الفريق البرهان، بما قد يفتح لاحقًا الباب أمام انتقاله من موقع قائد الجيش إلى موقع سياسي أكثر مباشرة.

ولا يمكن تجاهل أن الخطاب السياسي والإعلامي داخل بعض دوائر معسكر بورتسودان بدأ يتضمن حديثًا متزايدًا عن مستقبل البرهان السياسي، بينما تحولت أصوات مؤيدة للحرب إلى ما يشبه حملات مبكرة لدعم بقائه في المشهد. وإذا صح هذا الاتجاه، فإن السؤال يصبح أكثر خطورة: هل الحوار طريق إلى إنهاء الحرب، أم طريق إلى إعادة تأسيس السلطة بعد الحرب؟

مراكز نفوذ متعددة

المشكلة أن البرهان لا يتحرك في فراغ سياسي. فهناك مراكز نفوذ متعددة داخل معسكر بورتسودان، بينها تيارات مرتبطة بالمؤتمر الوطني المحلول والحركة الإسلامية، إلى جانب شبكات سياسية وعسكرية واقتصادية تشكلت أو تعززت خلال سنوات الصراع. وهذه القوى، بحسب منتقديها، تميل إلى الحفاظ على أكبر قدر ممكن من نفوذها، بينما تفرض الحرب والعزلة الدولية والضغوط الإقليمية على القيادة العسكرية تقديم تنازلات سياسية.

وبين هذه الضغوط المتعارضة، يبدو القرار السياسي متذبذبًا: خطوة باتجاه الحوار، ثم إعادة حسابات؛ خطاب عن التسوية، ثم تشدد؛ دعوة إلى عملية سياسية، مع استمرار بيئة سياسية وعسكرية لا تبدو مهيأة لتسوية حقيقية. وهذه ليست علامة قوة، بل علامة على أزمة داخل مركز القرار نفسه.

استقالات وانشقاقات.. هل يتسع الصدع؟

تستحق الاستقالات والاعتراضات داخل لجان الحوار والتحالفات المؤيدة لمعسكر بورتسودان المتابعة، لا باعتبار استقالة عضو واحد دليلًا كافيًا على انهيار المسار، وإنما باعتبارها مؤشرًا يمكن أن يصبح أكثر أهمية إذا تزامن مع انسحابات واعتراضات جديدة. فإذا اتسعت دائرة الانسحابات داخل لجنة الحوار أو الكتلة الديمقراطية، فإن الأزمة ستتجاوز تفاصيل المبادرة لتتحول إلى صراع مباشر حول شكل السلطة المقبلة.

وعندها لن يكون السؤال: من يشارك في الحوار؟ بل: من يملك حق رسم السودان الذي سيأتي بعد الحرب؟ حلفاء الحرب أمام سؤال اليوم التالي في النهاية، يبدو أن البرهان دخل مرحلة سياسية أكثر تعقيدًا مما توقعه. لقد كان من السهل نسبيًا توحيد الحلفاء تحت شعار الحرب، لكن الانتقال إلى مرحلة التسوية أصعب بكثير؛ لأن الحلفاء الذين قاتلوا معًا لا يتفقون بالضرورة على شكل الدولة التي يريدونها بعد توقف القتال.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى. فبعض من اصطفوا خلف البرهان خلال الحرب يريدون الآن ضمانات لموقعهم في اليوم التالي، بينما يبدو أن قائد الجيش يحاول إعادة ترتيب المشهد بما يتناسب مع حساباته الجديدة. وإذا لم يجد البرهان صيغة تستوعب هذه التناقضات، فقد يتحول الحوار من مشروع لتوحيد السودان إلى شرارة لانقسام جديد داخل معسكره. فالمشكلة لم تعد في خصوم البرهان وحدهم، بل في حلفائه أيضًا. وقد تكون هذه هي الحقيقة الأكثر إزعاجًا لقادة بورتسودان: أن الذين قاتلوا معهم بالأمس بدأوا يسألون اليوم عن نصيبهم من الغد، وأن الإجابة لم تعد تحتمل التأجيل.

فالمرحلة المقبلة لن تحسمها البنادق وحدها، ولن تنقذها البيانات السياسية. وما لم يتحول الحوار إلى حوار سوداني جاد، ويتحول إلى عملية حقيقية تعالج جذور الأزمة السودانية المتأزمة منذ عقود، وتضع حدًا للحرب، وتؤسس لانتقال سياسي شامل، فإن الخطر الأكبر هو أن يصبح الحوار مجرد إعادة تدوير للسلطة نفسها، بوجوه وشعارات جديدة. وعندها سيكون السودان قد خرج من حرب ليجد نفسه أمام حرب أخرى، عنوانها هذه المرة: من يملك الدولة؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.