لا تبدو مأساة السودانيين المحتجزين في شرق ليبيا مجرد أزمة مرتبطة بإجراءات الهجرة أو مخالفة قوانين الإقامة، بل تكشف، وفق الإفادات والتقارير الحقوقية الواردة، عن واقع أكثر تعقيدًا يضع حياة مئات الأشخاص أمام مخاطر الاحتجاز الطويل، وتدهور الأوضاع الصحية، وسوء المعاملة، في وقت يفترض أن تحظى فيه أوضاع المهاجرين واللاجئين، خصوصًا الفارين من حرب مدمرة، بمعاملة تحفظ كرامتهم وحقوقهم الأساسية.
والمفارقة الأكثر قسوة أن كثيرًا من السودانيين الذين وصلوا إلى ليبيا لم يغادروا بلادهم بحثًا عن رفاهية أو حياة سهلة، وإنما فروا من حرب دفعت الملايين إلى النزوح داخل السودان وخارجه. وبينما كانوا يبحثون عن مكان أكثر أمنًا، وجد بعضهم أنفسهم أمام أبواب السجون ومراكز الاحتجاز، عالقين في دائرة لا يعرفون متى تنتهي، ولا ما إذا كان مصيرهم سيكون الترحيل أم استمرار الاحتجاز.
وإذا صحت الإفادات الواردة في التقرير الحقوقي بشأن وجود مرضى ونساء وأطفال داخل بعض أماكن الاحتجاز، فإن الأمر يتجاوز بكثير مفهوم «مخالفة الهجرة»، ويطرح سؤالًا أساسيًا حول مدى مراعاة الاعتبارات الإنسانية في التعامل مع هذه الحالات.
فالقانون لا ينبغي أن يتحول إلى غطاء لتجاهل المرض أو الإعاقة أو أوضاع النساء والأطفال، كما أن إجراءات الترحيل لا يمكن أن تصبح مبررًا لاحتجاز أشخاص لفترات مفتوحة أو إخضاعهم لظروف قد تعرض حياتهم وصحتهم للخطر.
والأكثر إثارة للقلق ما يتعلق بادعاءات التعذيب وسوء المعاملة. فهذه ليست مخالفات إدارية يمكن تجاوزها بالصمت، وإنما اتهامات بالغة الخطورة تستوجب التحقيق المستقل والشفاف، خصوصًا عندما تتحدث إفادات عن الضرب والإصابات والكسور.
ومع ضرورة التعامل بحذر مع الشهادات الفردية وعدم اعتبارها أدلة نهائية قبل التحقق منها، فإن تكرار هذه الروايات في تقارير حقوقية يستدعي فتح المجال أمام جهات مستقلة للتحقق من حقيقة ما يحدث داخل أماكن الاحتجاز.
أما منع أو تقييد وصول المنظمات الإنسانية والحقوقية إلى مراكز الاحتجاز، إن ثبت، فإنه يزيد من مساحة الشك، ويضع السلطات المعنية أمام مسؤولية أكبر في الكشف عن أوضاع المحتجزين. فالاحتجاز الذي لا يخضع للرقابة المستقلة يصبح بيئة خصبة للشائعات والانتهاكات، بينما يمثل الوصول الإنساني المستقل وسيلة لحماية المحتجزين والسلطات في الوقت نفسه من الاتهامات غير الموثقة.
ولا تقل خطورة عن ذلك الاتهامات المتعلقة بطلب أموال مقابل تسهيل الإفراج أو الترحيل. وإذا كانت هذه الادعاءات صحيحة، فإنها تكشف عن استغلال مأساة أشخاص في أضعف حالاتهم، وتحويل الحاجة إلى الحرية والأمان إلى مصدر للابتزاز المالي.
غير أن خطورة هذه الاتهامات تفرض أيضًا ضرورة التحقيق فيها، بدل الاكتفاء بتداولها إعلاميًا. فالأرقام الكبيرة التي وردت في بعض الشهادات، ومنها الحديث عن مبالغ تتجاوز ملياري جنيه سوداني للمحتجز الواحد، تحتاج إلى أدلة ووثائق وشهادات متعددة حتى تتحول من ادعاءات إلى وقائع مثبتة.
وفي الجانب السوداني، لا يمكن تجاهل مسؤولية القنصلية السودانية في بنغازي. فالمواطن السوداني المحتجز خارج بلاده لا ينبغي أن يشعر بأنه أصبح بلا دولة أو حماية. وإذا كانت هناك شكاوى متكررة من ضعف المتابعة أو بطء الإجراءات القنصلية، فإن المطلوب ليس فقط إصدار البيانات، وإنما التواصل المباشر مع المحتجزين، وحصر أعدادهم، والتحقق من أوضاعهم القانونية والصحية، ومتابعة ملفاتهم، والتدخل لدى السلطات الليبية عندما يتعلق الأمر بانتهاكات أو ظروف احتجاز غير إنسانية.
والمسؤولية هنا ليست في منع تطبيق القانون الليبي، وإنما في ضمان ألا يتحول تطبيقه إلى انتهاك للحقوق الأساسية، وألا يجد السوداني نفسه محاصرًا بين إجراءات ترحيل بطيئة، وسنوات من الاحتجاز، ومخاطر صحية ونفسية متزايدة.
كما أن حكومة بورتسودان تتجاهل عمدًا التعامل مع قضية مواطنيها في ليبيا باعتبارها ملفًا إنسانيًا وقنصليًا عاجلًا، لا قضية هامشية تضاف إلى قائمة طويلة من الأزمات التي خلقتها الحرب.
فالحرب التي دفعت السودانيين إلى الفرار لا تنتهي عند الحدود. آثارها تمتد إلى معسكرات النزوح، ومراكز اللجوء، وطرق الهجرة، ومراكز الاحتجاز، وحتى الدول التي ظن الفارون إليها أنهم سيجدون فيها ملاذًا آمنًا.

وفي المقابل، تتحمل السلطات الليبية مسؤولية ضمان أن تكون إجراءات مكافحة الهجرة متوافقة مع الالتزامات القانونية والإنسانية، وأن يتم التعامل مع المحتجزين بكرامة، وتوفير الرعاية الطبية اللازمة لهم، وحماية النساء والأطفال، ومنع التعذيب وسوء المعاملة، وضمان حق المحتجزين في معرفة وضعهم القانوني.
إن ترك مئات السودانيين خلف جدران السجون، وسط غموض بشأن أعدادهم وأوضاعهم ومصائرهم، لا يخدم ليبيا ولا السودان، ولا يحقق هدفًا حقيقيًا لمكافحة الهجرة غير النظامية. بل إن الاحتجاز المطول دون رقابة كافية قد يحول ملف الهجرة من قضية قانونية إلى أزمة حقوقية مفتوحة.
وفي الواقع، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط: لماذا يُرحّل السودانيون؟ بل أيضًا: كيف يُحتجزون؟ وكم من الوقت يبقون خلف القضبان؟ ومن يراقب أوضاعهم؟ ومن يحاسب إذا تعرض أحدهم للتعذيب أو الإهمال أو الابتزاز؟
هذه الأسئلة لا تحتاج إلى بيانات سياسية، بل إلى إجابات موثقة، وزيارات ميدانية، وتحقيقات مستقلة، وإجراءات واضحة تحمي كرامة الإنسان.
فالهارب من الحرب لا ينبغي أن يجد نفسه أمام حرب أخرى داخل السجن، والبحث عن الأمان لا يجب أن ينتهي إلى التعذيب أو المرض أو الاحتجاز بلا أفق. وبينما تتواصل عمليات الترحيل، تبقى مسؤولية السلطات الليبية والسودانية والمنظمات الدولية أكبر من مجرد نقل المحتجزين من مكان إلى آخر؛ إنها مسؤولية حماية الإنسان نفسه.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.