مناوي بين نارين.. حين يتحول حوار البرهان إلى مأزق سياسي

بقلم: مناهل أبوقيصص

يبدو أن دعوة رئيس مجلس السيادة في حكومة بورتسودان، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، إلى الحوار قد وضعت بعض مكونات الكتلة الديمقراطية، وعلى رأسها مني أركو مناوي، أمام اختبار سياسي بالغ التعقيد. فالمسألة لم تعد مجرد موقف من مبادرة للحوار، ولا خلافًا عابرًا حول التوقيت أو شروط التفاوض، وإنما تحولت إلى معركة مفتوحة حول مستقبل السلطة، وموازين النفوذ، ومصير الترتيبات السياسية التي فرضتها سنوات الحرب.

 

مناوي اليوم يقف، سياسيًا، بين نارين: إما أن يخالف البرهان ويذهب بعيدًا عن مركز القرار، فيخرج خاسرًا وحسيرًا من مخرجات حوار قد تعيد تشكيل المشهد السياسي برمته، وربما تفضي إلى تنصيب البرهان رئيسًا للجمهورية، وفي المقابل قد تفتح الباب أمام مراجعة واسعة للترتيبات التي أفرزها اتفاق جوبا؛ أو أن يواجه البرهان والحركة الإسلامية، ويختار موقع المواجهة، فيجد نفسه أمام خيار أكثر صعوبة، يتمثل في الخروج من المعادلة باعتباره خصمًا عسكريًا وسياسيًا جديدًا.

 

وفي الحالتين، تبدو مساحة المناورة أمام مناوي أضيق مما كانت عليه.

 

المفارقة أن بعض القوى التي رفعت في السابق شعارات الانتقال والتحول الديمقراطي وجدت نفسها، بعد اندلاع الحرب، داخل ترتيبات سياسية وعسكرية شديدة التعقيد. ومع مرور الوقت، أصبح السؤال أكثر إزعاجًا: هل ما يجري اليوم دفاع حقيقي عن مشروع وطني، أم أن جزءًا منه أصبح صراعًا على المواقع والنفوذ والمكاسب التي أفرزتها ظروف الحرب؟

 

مناوي تحديدًا يواجه معضلة لا يمكن تغطيتها بالبيانات السياسية أو الخطابات الحماسية. فموقفه من حوار البرهان لن يكون بلا ثمن. إذا رفض الحوار، فقد يجد نفسه في مواجهة مباشرة مع السلطة القائمة ومراكز القوة العسكرية والسياسية التي تملك أدوات التأثير على الأرض. وإذا قبله، فإنه يخاطر بخسارة جزء من المساحة السياسية التي احتفظ بها، وربما يجد نفسه مضطرًا للتعامل مع مخرجات لا تتوافق مع حساباته أو مصالح القوى التي يتحرك معها.

 

والأخطر أن أي تسوية سياسية محتملة يمكن أن تعيد ترتيب المشهد بالكامل، بما في ذلك مستقبل اتفاق جوبا للسلام والترتيبات التي منحت أطرافًا مسلحة وسياسية مواقع داخل مؤسسات الدولة. وهنا تكمن حساسية موقف مناوي؛ فإعادة تشكيل الدولة بعد الحرب تعني بالضرورة إعادة النظر في كثير من الترتيبات التي نشأت في ظل ظروف استثنائية.

 

لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يؤيد مناوي الحوار أم يرفضه؟ وإنما: ماذا سيخسر إذا ذهب إلى الحوار، وماذا سيخسر إذا رفضه؟

 

هذه هي العقدة التي تكشف حجم الارتباك داخل بعض مكونات الكتلة الديمقراطية.

 

فإذا قرر مناوي مخالفة البرهان، فإنه قد يجد نفسه أمام خيار شديد الكلفة، إذ يمكن أن يتحول من شريك في ترتيبات السلطة إلى خصم سياسي وعسكري، خصوصًا إذا اتسعت الفجوة بين الطرفين. أما إذا اختار الانخراط في الحوار، فإنه سيكون مطالبًا بقبول قواعد لعبة جديدة قد لا تمنحه الموقع الذي اعتاد عليه، وربما تنتهي بإعادة تعريف دور الحركات المسلحة وموقعها في الدولة.

 

وهنا تسقط الكثير من الشعارات أمام امتحان المصالح.

 

فالسياسة لا تُقاس فقط بما يقوله السياسيون أمام الكاميرات، وإنما بما يفعلونه عندما تصبح الخيارات مكلفة. وفي حالة مناوي، تبدو المشكلة في محاولة الجمع بين أدوار متناقضة: الاحتفاظ بموقع داخل منظومة السلطة، والظهور في الوقت نفسه كطرف مستقل عنها، والاستفادة من ترتيبات اتفاق جوبا، مع الابتعاد عن تحمل كامل المسؤولية السياسية عن مآلات الحرب.

 

هذه المعادلة أصبحت أكثر صعوبة من أي وقت مضى.

 

أما عناصر الكتلة الديمقراطية، فإن ارتباكهم بشأن حوار البرهان يكشف أزمة أكبر: غياب رؤية سياسية موحدة لما بعد الحرب. فبدل أن ينصب النقاش على شكل الدولة، وكيفية إنهاء الحرب، وإعادة بناء المؤسسات، وضمان الانتقال السياسي، انشغل المشهد بصراع على من يجلس إلى الطاولة، ومن يملك حق التحدث باسم من، ومن سيحصل على نصيبه من كعكة السلطة المقبلة.

 

وإذا كان الحوار سيقود في نهاية المطاف إلى إعادة ترتيب مؤسسات الحكم، فإن الخوف الحقيقي لبعض القوى قد لا يكون من الحوار ذاته، وإنما من مخرجاته.

 

وهذا ما يفسر التردد، والمواقف الرمادية، ومحاولات الإمساك بالعصا من المنتصف.

 

لكن لا يمكن لأي سياسي أن يبقى إلى الأبد في المنطقة الرمادية. سيأتي وقت يصبح فيه الاختيار إجباريًا: إما الانخراط في تسوية سياسية يتحمل الجميع تبعاتها، أو الخروج منها وتحمل نتائج المواجهة.

 

ومناوي، بحكم موقعه وتجربته، يعرف أن المعركة المقبلة لن تكون مجرد معركة بيانات وتصريحات. إنها معركة على شكل السودان بعد الحرب، وعلى من يملك الشرعية والنفوذ، وعلى من سيبقى في المشهد عندما تتغير ترتيبات السلطة.

 

ولذلك فإن ارتباكه مفهوم سياسيًا، لكنه ليس مبررًا إلى ما لا نهاية.

 

فالسودان لا يحتاج إلى سياسيين يتعاملون مع الحوار باعتباره مجرد وسيلة لحماية مواقعهم، ولا إلى قوى تجعل من حصصها السياسية والعسكرية معيارًا لتحديد موقفها من مستقبل البلاد. السودان يحتاج إلى مشروع واضح لإنهاء الحرب، وإعادة بناء الدولة، وإطلاق عملية سياسية لا تكون فيها السلطة غنيمة يتصارع عليها المنتصرون.

 

والسؤال الذي يجب أن يواجهه مناوي ورفاقه قبل غيرهم هو: هل يقاتلون من أجل السودان، أم من أجل ضمان مكان لهم في السودان الذي سيأتي بعد الحرب؟

 

فإذا كانت الإجابة هي السودان، فلن تكون الحصص والمواقع هي القضية الأولى. أما إذا كانت الأولوية للمواقع، فإن كل الشعارات عن الديمقراطية والسلام والتحول السياسي ستبدو مجرد غطاء لمعركة أخرى على النفوذ.

 

وفي خاتمة المطاف، قد يكتشف مناوي ورفاقه أن أصعب المعارك ليست تلك التي يخوضها السياسي ضد خصمه، وإنما تلك التي يخوضها مع حساباته القديمة عندما تتغير قواعد اللعبة.

 

وحين تتغير قواعد اللعبة، لا تنفع المناورة طويلًا؛ فإما أن تختار موقعك بوضوح، أو تختار لك الأحداث موقعًا قد لا يعجبك.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.