خطأ الزمان والمكان
من «المجد للبندقية» إلى «مدنية من فوهتها»
حين يصبح «المجد للبندقية» خطاباً في زمن الحرب، ثم يُطرح الحديث عن المدنية والحوار من تحت سلطة البندقية، فإن المسألة لم تعد مجرد مفارقة في الخطاب، وإنما أصبحت سؤالاً عن طبيعة الدولة التي يجري الإعداد لها، وعن الجهة التي تريد أن تكتب مستقبل السودان: إرادة الشعب أم موازين القوة؟
وهنا تحديداً يبدأ السؤال الحقيقي حول الحوار.
فالحوار ليس قيمة مقدسة في ذاته، ولا كل طاولة حوار تقود بالضرورة إلى السلام. الحوار الذي يجري في ظل اختلال موازين القوة، ومن دون مساءلة عن جذور الحرب والانقلاب، يمكن أن يتحول من وسيلة لإنهاء الأزمة إلى أداة لإعادة إنتاجها في ثوب سياسي جديد.
وهذا هو خطأ الزمان والمكان.
فكيف نبدأ الحديث عن الجمهورية الثانية قبل أن نسأل: ماذا حدث في الجمهورية الأولى؟ وكيف وصل السودان إلى هذه الحرب؟ ومن يتحمل المسؤولية السياسية والعسكرية عن انهيار الدولة وإزهاق أرواح السودانيين وتدمير مدنهم وبنيتهم التحتية؟
من انقلاب 25 أكتوبر إلى حرب 15 أبريل
لا يمكن بناء مستقبل السودان بالقفز فوق الماضي القريب.
ففي 25 أكتوبر 2021م وقع انقلاب عسكري أطاح بالمسار الانتقالي، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاختناق السياسي وانسداد الأفق المدني. ثم جاءت حرب 15 أبريل 2023م لتدفع السودان إلى واحدة من أكثر مآسيه دموية ودماراً.
وهنا يحق للسودانيين أن يطرحوا سؤالاً لا ينبغي أن يخيف أحداً:
كيف ينتقل من ساهم في صناعة الانسداد السياسي إلى موقع الشريك في صناعة الحل، من دون أن يمر أولاً عبر بوابة المساءلة؟
والسؤال ليس موجهاً إلى شخص البرهان وحده، بل إلى المنظومة التي تريد أن تجعل من نتائج الحرب مدخلاً لترتيبات سياسية جديدة.
فإذا كانت الحرب قد أزهقت أرواح السودانيين، ودمرت مؤسسات الدولة، ومزقت النسيج الاجتماعي، وشردت الملايين، فإن المكافأة السياسية لا يمكن أن تكون هي الطريق الطبيعي للخروج منها.
بل يجب أن تكون هناك مساءلة وطنية وقانونية وعسكرية لكل من تثبت مسؤوليته عن الانقلاب أو إشعال الحرب أو الانتهاكات التي وقعت خلالها، كلٌّ بحسب اختصاصه ومسؤوليته.
أما أن يتحول سؤال المسؤولية إلى سؤال: من سيحكم السودان بعد الحرب؟، فهذه هي الكارثة بعينها.
من البشير إلى البرهان… هل نعيد تدوير الفشل؟
السودان لا يحتاج إلى نسخة جديدة من تجربة عمر البشير، ولا إلى إعادة تدوير أخطاء ثلاثين عاماً من الحكم العسكري المتكئ على الإسلاميين.
فالمشكلة لم تكن في اسم البشير وحده، وإنما في منظومة الحكم التي جعلت الدولة أداة للسلطة، والمؤسسة العسكرية طرفاً في السياسة، والدين وقوداً للصراع، والمعارضة عدواً، والاختلاف السياسي سبباً للحرب.
ولهذا فإن السؤال الأعمق ليس: هل سيصبح البرهان رئيساً؟
بل:
هل يجري إعداد السودان مرة أخرى لكي يحكمه شخص بدلاً من أن تحكمه المؤسسات؟
وإذا كانت هناك ترتيبات سياسية تقود إلى ما يسمى «الجمهورية الثانية»، فإن أول ما يجب أن يقال لها: الجمهورية الثانية ليست امتيازاً يمنح لقائد عسكري، وليست مكافأة على الحرب، وليست صفقة بين النخب.
الجمهورية الثانية يجب أن تكون عقداً وطنياً جديداً، يكتبه السودانيون، وتقوم على المواطنة المتساوية، والديمقراطية، وسيادة القانون، وفصل السلطات، والجيش المهني الذي لا يحكم ولا يصنع الحكومات.
حين تفقد الوساطة حيادها
الأزمة لا تقف عند الداخل السوداني.
فمن أخطر ما يمكن أن يحدث أن تتحول المؤسسات والمنابر الإقليمية والدولية من أدوات للضغط من أجل الحل إلى أدوات تمنح الشرعية لمسارات سياسية تزيد الأزمة تعقيداً أو تطيل عمرها.
وهنا تبرز أسئلة صعبة حول أدوار الاتحاد الأفريقي، ومصر، والسعودية، وتركيا، وغيرها من الأطراف التي تحضر في المشهد السوداني بوصفها أطرافاً وسيطة أو مؤثرة.
فالوسيط لا يستطيع أن يكون جزءاً من معادلة إنتاج الأزمة ثم يقدم نفسه باعتباره حكماً عليها.
وإذا كان الاتحاد الأفريقي مؤسسة قارية معنية بمساعدة الدول الأفريقية على تجاوز أزماتها، فإن السؤال المشروع هو: هل تسهم مواقفه وآلياته في تقريب السودانيين من الحل، أم أنها في بعض مراحلها تمنح أطراف الأزمة وقتاً إضافياً لإعادة ترتيب أوراقها؟
والأمر ذاته ينسحب على الدول التي تتقدم باعتبارها وسيطاً أو راعياً للحوار.
فالوساطة لا تُقاس بكثرة المؤتمرات ولا بعدد المبادرات، وإنما بقدرتها على تقليص نفوذ الحرب، ومنع الإفلات من المساءلة، وفتح الطريق أمام حل سوداني حقيقي.
أما إذا أصبحت الوساطة مجرد مظلة لإعادة شرعنة القوى التي أنتجت الأزمة، فإنها تفقد وظيفتها الأخلاقية والسياسية، وتتحول من وساطة إلى جزء من معادلة تدوير الأزمة.
السؤال الذي لا يريدون فتحه
لماذا لا يبدأ الحوار الحقيقي من السؤال الذي يهرب منه الجميع؟
لماذا وقع انقلاب 25 أكتوبر 2021م؟
ثم:
كيف اندلعت حرب 15 أبريل 2023م؟
ومن الذي استفاد من انهيار الانتقال المدني؟
ومن الذي استفاد من الحرب؟
ومن الذي يريد أن يستفيد من نتائجها السياسية؟
هذه الأسئلة ليست انتقاماً من أحد، وإنما هي شرط ضروري لفهم المستقبل.
فالدول التي تتجاوز أسباب الحروب من دون مساءلة لا تنهي الحرب؛ إنها تؤجل الحرب القادمة.
والسلام الذي لا يعالج جذور الأزمة قد يكون مجرد هدنة بين حربين.
الإسلاميون… الواجهة تتغير والوظيفة واحدة
وهنا تبرز قضية أكثر حساسية: عودة الإسلاميين إلى المشهد السياسي من خلال واجهات جديدة أو ترتيبات تُدار بعيداً عن الضوء.
ليس المقصود محاكمة الناس على أفكارهم، ولا حرمان أي سوداني من حقه السياسي بسبب انتمائه الفكري. وإنما المقصود رفض عودة منظومة سياسية أثبتت التجربة أنها استخدمت الدين والدولة والقوة المسلحة لإدارة الصراع وإقصاء الآخرين.
فالخطر ليس في أن يغير التنظيم اسمه أو يبدل واجهته أو يعيد تقديم نفسه بعبارات جديدة.
الخطر أن تعود العقلية ذاتها.
وإذا عادت المنظومة القديمة بالأساليب القديمة، فإن السودان لن يدخل جمهورية ثانية، بل سيدخل فصلاً جديداً من الجمهورية الأولى.
وسيكون السؤال عندها: كم من الوقت نحتاج قبل أن تبدأ حرب جديدة؟
إن الذاكرة الوطنية ليست ذاكرة ذبابة.
والشعب السوداني الذي دفع ثمن الاستبداد والحروب والفساد والتسييس الديني للدولة لن يقبل أن يُطلب منه أن ينسى كل ذلك بمجرد تغيير الواجهات.
المجد للسودان
من حق البرهان أن يطمح إلى المستقبل السياسي، ومن حق أي سوداني أن يطمح إلى الحكم وفق قواعد دستورية ديمقراطية.
لكن ليس من حق أحد أن يجعل دماء السودانيين سلماً إلى السلطة.
ومن حق القوى الإقليمية والدولية أن تساعد السودان، لكن ليس من حقها أن ترسم مستقبله نيابة عن السودانيين.
ومن حق الإسلاميين أن يمارسوا السياسة، لكن ليس من حقهم إعادة إنتاج دولة أيديولوجية تحت واجهة جديدة.
ومن حق الجيش أن يحمي السودان، لكن ليس من حق البندقية أن تختار رئيس السودان.
لهذا فإن المعركة الحقيقية ليست بين البرهان وخصومه فقط، ولا بين هذا الجيش وتلك القوة المسلحة.
المعركة الحقيقية هي بين مشروع دولة ومشروع سلطة.
بين سودان يُبنى بالمواطنة، وسودان يُدار بالغلبة.
بين جمهورية ثانية تؤسس لعقد اجتماعي جديد، وجمهورية ثانية تُستخدم لإعادة تدوير الجمهورية الأولى.
وبين «المجد للبندقية» و«المجد للمدنية» يقف السؤال الأكبر:
هل نريد أن نخرج من الحرب لنصنع سوداناً جديداً، أم نخرج من الحرب فقط لنمنح الذين صنعوا الأزمة فرصة جديدة لحكم السودان؟
إن كان الحوار من أجل السودان، فليبدأ من الحقيقة.
وإن كان من أجل السلام، فليبدأ من المساءلة.
وإن كان من أجل الجمهورية الثانية، فلتكن جمهورية الشعب لا جمهورية الأشخاص.
أما أن ننتقل من «المجد للبندقية» إلى «مدنية من فوهتها»، فذلك ليس انتقالاً حقيقياً.
إنه فقط تغيير للخطاب، مع بقاء صاحب البندقية في موقع تحديد المستقبل.
المجد للسودان… لا لمشروع السلطة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.