حين تصبح الجريمة قابلة للتبرير
الحرب لا تقتل الناس فقط… بل تغيّر تعريف الصواب والخطأ.
في المجتمعات المستقرة، توجد حدود واضحة نسبياً بين الحلال والحرام، وبين الحق والباطل، وبين ملكية الإنسان وملكية غيره.
أما في الحرب، فتبدأ هذه الحدود بالاهتزاز.
يقول شخص: «أنا أحتاج».
ويقول آخر: «الجميع ينهب».
ويقول ثالث: «لو لم أفعلها لفعلها غيري».
وهكذا تتولد أخطر آليات الانهيار الأخلاقي: التبرير.
فالجريمة لا تحتاج دائماً إلى شخص يعتقد أنه شرير؛ أحياناً يكفي أن يجد الإنسان سبباً يقنع به نفسه أن ما يفعله ضرورة.
وعندما يتكرر التبرير على نطاق واسع، تتحول الفوضى إلى ثقافة.
وهنا يصبح السؤال أكبر من سؤال السارق والمسروق، أو المعتدي والضحية. يصبح السؤال متعلقاً بالبيئة التي سمحت للجريمة بأن تجد لنفسها تفسيراً، ثم قبولاً، ثم صمتاً.
وهذا بالضبط ما يجعل الحرب الطويلة أكثر خطورة من الحرب القصيرة.
فالحرب القصيرة قد تدمر المباني، لكنها لا تمنح السلوك المنحرف دائماً الوقت الكافي لكي يتحول إلى عادة اجتماعية. أما الحرب الممتدة، فإنها تعيد تشكيل الإنسان بالتدريج، وتمنحه الوقت لكي يتكيف مع غير الطبيعي، ويبحث له عن منطق، ثم يعيش معه.
ومن هنا يمكن استدعاء قراءة ابن خلدون.
كان ابن خلدون ينظر إلى المجتمع باعتباره كياناً تحكمه روابط العصبية والتضامن، ويرى أن الدولة لا تقوم بالقوة وحدها، وإنما تحتاج إلى رابطة اجتماعية تمنحها القدرة على حفظ العمران.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة ما يحدث في السودان اليوم.
فالمشكلة ليست فقط في ضعف الدولة، وإنما في تآكل الروابط التي تجعل الناس يشعرون بأنهم ينتمون إلى مصير مشترك.
حين يصبح الآخر مجرد «خصم»، ثم يتحول الخصم إلى «عدو»، ثم يصبح العدو أقل استحقاقاً للحياة أو الكرامة، تبدأ عملية خطيرة: نزع الإنسانية عن الآخر.
وهنا لا تعود القبيلة أو المنطقة أو اللون أو الموقف السياسي مجرد هوية؛ بل يمكن أن تتحول إلى معيار للحكم على الإنسان.
وهذا أخطر ما يمكن أن تفعله الحرب بالمجتمع.
فحين يُختزل الإنسان في هويته أو منطقته أو موقفه، يصبح من السهل تبرير الاعتداء عليه، أو النظر إلى ممتلكاته باعتبارها غنيمة، أو التعامل مع معاناته باعتبارها نتيجة «مستحقة» لا تستدعي التعاطف.
وهكذا لا يعود انهيار الأخلاق حدثاً منفصلاً عن انهيار الدولة.
إنهما مساران متداخلان.
كلما ضعفت سلطة القانون، ازدادت الحاجة إلى القوة لحماية الحقوق. وكلما أصبحت القوة هي الوسيلة الأهم للحصول على الحق، تراجعت مكانة القانون. ومع تراجع القانون، يصبح المجتمع أكثر عرضة للانقسام والانتقام.
لكن الحرب لا تفكك مؤسسات الدولة وحدها.
إنها تفكك أيضاً المساحات التي كان الناس يلتقون فيها بوصفهم بشراً قبل أن يكونوا أصحاب مواقف وهويات.
وهنا تظهر واحدة من أكثر نتائج الحرب قسوة
أن يصبح الجار غريباً.
Prev Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.