❝حين تكون السفارة في قلب العاصفة.. لا يكفي أن يكون لها سفير؛ يجب أن تكون للدولة فيها إرادة، وللمواطن ملاذ، وللمصالح حارس.❞
الدول التي لديها رصيد من تراكم الخبرات السياسية والدبلوماسية حين تقرر تغيير رسالتها إلى دولة أخرى، لا تبدأ بتغيير الاتفاقيات.. بل تغيير الرجل الذي يحمل رسالتها.. فالسفير لم يكن يوماً مجرد موظف ينتظر التعليمات، وإنما عين الدولة التي ترى، ولسانها الذي يتحدث، ويدها التي تحمي مصالحها، ووجهها الذي يراه مواطنوها قبل أن يراه الآخرون.
تقول الحكاية التي روتها كتب التاريخ أن أثينا، بعد انتصارها على الفرس، بدأت تبني أسوارها.. أدركت إسبرطة أن المدينة التي تتحصن خلف الأسوار ستصبح أكثر قوة، فأرسلت مبعوثيها للاعتراض.. كان ثيميستوكليس هو الرجل الذي حمل رسالة أثينا.. لكنه لم يحملها كما يحمل الموظف ورقةً من عاصمته.. ذهب إلى إسبرطة، وأطال التفاوض، بينما كانت أثينا ترفع أسوارها حجراً فوق حجر.
وحين اكتملت المهمة، لم يكن الإنجاز في الكلمات التي قالها المبعوث.. وإنما في الشيء الذي عاد به إلى مدينته:” دولة أكثر أمناً، ومصلحةً أكثر صلابة، ورسالةً فهمت أن المبعوث لا يمثل نفسه حين يعبر الحدود.. وإنما يمثل قوة بلاده وحقوق شعبه”..
هكذا كانت وظيفة المبعوث منذ أن عرفت الدول معنى المصالح..
ومن هنا تبدأ حكاية سفارة السودان في القاهرة.
(1)
حين تتحدث الأخبار عن إعفاء الفريق أول ركن مهندس عماد الدين مصطفى عدوي من منصبه سفيراً للسودان لدى مصر، بعد أكثر من عامين منذ يوليو 2024، فإن المسألة أكبر من حركة نقل أو إعفاء.
فالأنباء جاءت متضاربة: حديث عن السفير يوسف الكردفاني، ثم آخر عن اللواء معاش هارون محمد علي مصطفى، فيما لم يصدر حتى لحظة كتابة المقال إعلان رسمي نهائي يحسم الاسم.
لكن السؤال الذي يجب ألا يضيع وسط الأسماء هو:( لماذا يرحل عدوي الآن؟).. ذلك لأن فترة بقائه قصيرة على نحو لافت في تاريخ العلاقات الممتدة بين البلدين، وهو ما يجعل القرار في ذاته علامة استفهام سياسية وإدارية تستحق الإجابة.
(2)
ولا نحتاج إلى كثير عناء لنعرف أن القاهرة ليست سفارة عادية.. وقد كشفت هذه الحرب ذلك بيانا عمليا
فالقاهرة تعرف جيداً أن السودان ليس جاراً عادياً، والخرطوم تعرف أن مصر ليست دولةً يمكن التعامل معها بمنطق العلاقات البروتوكولية وحده.. مصر تقول رسمياً إن أمن السودان مرتبط بأمنها القومي، والعلاقة بين البلدين تتداخل فيها السياسة والأمن والدفاع والاقتصاد والحدود والمياه والحرب ومستقبل الدولة السودانية..
بل إن إدارة الملف السوداني في القاهرة كثيراً ما تجاوزت القنوات الدبلوماسية التقليدية إلى مستويات المخابرات والأمن والدفاع.
وفي أكتوبر 2025 كان رئيسا البلدين يجلسان إلى طاولة واحدة، بحضور وزيري الخارجية ورئيسي جهازي المخابرات، وكان السفير عدوي ضمن المشهد.
فإذا كانت القاهرة تنظر إلى السودان بهذه الحساسية.. فلماذا لا تنظر الخرطوم إلى القاهرة بالعين نفسها؟.
(3)
هنا يصبح السؤال عن أداء عدوي أكثر إلحاحاً..
فالسودان خلال فترة عمله لم يكن يعيش ظرفاً عادياً؛ كانت البلاد تخوض حرباً تهدد الدولة والمجتمع، وكانت القاهرة واحدة من أهم ساحات السياسة السودانية..
كان المطلوب سفارةً تتحرك في السياسة، وتفهم الأمن، وتتابع العسكري، وتفتح الاقتصاد، وتحمي المصالح، وتدير الإعلام، وتواكب ملف الجالية..
لكن الحديث عن ضعف الأداء الذي تردد في دوائر مختلفة يضعنا أمام سؤال لا ينبغي الهروب منه: (هل كان أداء السفارة بمستوى العاصفة التي يعيشها السودان؟)..
إذا كانت الإجابة لا.. فإن إعفاء السفير يصبح مفهوماً.
لكن فهم القرار لا يعني أن المشكلة انتهت.
(4)
لأن خلف باب السفارة كانت هناك مأساة أخرى.. مأساة السودانيين الذين فروا من الحرب إلى مصر..
لاجئون ونازحون وطلاب ومرضى وأسر فقدت بيوتها، وبعضهم انتهى به المطاف إلى السجون المصرية.. وقد وثقت تقارير لوكالات انباء عالمية وصحفية حالات احتجاز قاسية، بل حالات وفاة لسودانيين داخل الاحتجاز..
وهنا يصبح السؤال موجعاً: “أين كانت السفارة حين كان المواطن يحتاجها قبل أن يصبح سجيناً؟”..
صحيح أن السفارة لا تملك سلطة القضاء المصري، ولا تستطيع أن تفرض على دولة مضيفة ما تفعل، لكنها تملك الدبلوماسية، والتفاوض، والمتابعة، والطرق الرسمية، والاتصال، والضغط، وحماية مواطنيها في حدود القانون والسيادة..
وفي يوليو 2026 تحركت السفارة في ملف مئات السجناء الغارمين عبر مذكرة مع ديوان الزكاة للمساهمة في سداد مديونياتهم..
لكن بعض الأبواب إذا فُتحت متأخرة.. لا تعيد من غابوا خلفها.
(5)
ثم يأتي الاقتصاد والسياسة..
مصر تنظر للسودان بأنه دولة جارة، بل شريان حياتها ولذلك السودان موجود كإدارة قائمة بذاتها في جهازيها الخارجي والأمني.. ومصر لدى السودان ليست مجرد دولة تستضيف السودانيين؛ إنها شريانه الحيوي في زمن هذه الحرب، وساحة للاتصال السياسي والاقتصاد وغيره .. ولكن السؤال أين كان الحضور الاقتصادي الفاعل؟ وأين المبادرات؟..
وأين غرفة التفكير التي تضع للسودان مصالحه على الطاولة قبل أن يضع الآخرون أجنداتهم؟..
السفارة التي لا تتحرك إلا عندما يأتيها الملف.. ليست سفارة في زمن الحرب..
السفارة الحقيقية تصنع الملف قبل أن يصنعها الملف.
(6)
ولهذا فإن تغيير عدوي، أياً كان البديل، يجب ألا يكون نهاية المطاف..
إذا صح اختيار الكردفاني.. فهو دبلوماسي محترف خبرته دهاليز الخارجية، ما يعني العودة إلى الدبلوماسية، التي تحتاجها الدولة القريبة من وضع البندقية جانبا والتوجه نحو السلام وإعادة البناء والإعمار ..
أما إذا صح اختيار هارون( وهذا ما نرجحه بشدة) فهي رسالة مختلفة لما يحمله الرجل من خلفية عسكرية ميدانية.. فهارون قادم من ميادين القتال، وقد كان أحد قادة الميل أربعين إبان حرب الجنوب ويتولى خلال الحرب الحالية قيادة التعبئة والمقاومة الشعبية .
وبين الرجلين مسافة ليست في السيرة فقط.. وإنما في “الرسالة التي قد تريد الخرطوم إرسالها إلى القاهرة”..هل تريد دبلوماسياً يتحدث لغة الملفات؟..
أم تريد رجلاً عسكرياً يفهم لغة الأمن والحرب؟..
لكن أياً كان الرجل..
فليدخل السفارة وفي يده قرار ثورة تصحيحة تبدأ بمراجعة الطاقم، والملفات، والمال، والخدمات، والشكاوى، والتعيينات، والعلاقات مع الجالية، والملف الاقتصادي والإعلامي والسياسي والأمني.
أما الأحاديث عن فساد أو محسوبية، فلا نحولها إلى إدانة بلا دليل.. وإنما نطالب بفتح الملفات والتحقيق فيها..
فإن كانت بريئة، انتهى الحديث..
وإن كانت صحيحة، فلتبدأ المحاسبة.
(7)
وهنا نعود إلى ثيميستوكليس..
لم يكن نجاحه لأنه كان سفيراً بارعاً في الكلام.. وإنما لأنه فهم أن مهمته أن يعود إلى أثينا وقد تحققت مصلحة أثينا..
وهذا هو السفير الذي تحتاجه الخرطوم في القاهرة اليوم.. سواء كان عسكريا أو دبلوماسيا محترفا..
لا نريد رجلاً يجلس خلف مكتب كبير…
نريد رجلاً يعرف أن وراء ذلك المكتب دولةً تنزف، ومواطنين مشرّدين، واقتصاداً يختنق، وحرباً تبحث عن مخرج، ومصالح سودانية يجب ألا تضيع..
نريد سفارةً تمشي إلى الناس قبل أن يمشوا إليها..
تفتح ملفات السجناء..
تلاحق حقوق المواطنين..
تخاطب الدولة المصرية بثقل الدولة السودانية..
تبحث عن الاقتصاد وسط الخراب..
وتجعل من القاهرة مركزاً متقدماً للمصلحة السودانية.. لا مجرد عنوان دبلوماسي.
ما نود قوله هنا .. نحن لا تعنينا معركة الأسماء بقدر ما تعنينا معركة المؤسسة..
عدوي قد يرحل..
وهارون قد يأتي..
لكن السؤال الذي يجب أن يبقى واقفاً أمام باب السفارة:(هل ستتغير السفارة؟)..
فمصر تعرف أن السودان ملف أمن قومي..
فلماذا لا تعرف الخرطوم أن مصر بالنسبة إلى السودان كذلك؟
لماذا تدار أخطر سفاراتنا أحياناً بعقلية (السوق الشعبي) بينما يتعامل الآخرون مع مصالحهم بعقل الدولة؟..
آن الأوان أن تنتهي سفارة العلاقات العامة..
وأن تبدأ سفارة الدولة..
سفارةٌ لها هيبة بلا تعالٍ، وقوة بلا استعلاء، وخدمة بلا منّة، وحضور سياسي يوازي أهمية المكان، وقلب مفتوح لمواطن طحنته الحرب..
فإذا كان تغيير السفير هو الباب..
(فلتدخل منه ثورة السفارة.)
ومضة :
ثيميستوكليس لم يذهب إلى إسبرطة ليملأ مقعداً.. ذهب ليحمي أثينا؛ والسفير الذي لا يحمل وطنه في قلب مهمته، لا يحمل معه إلى الخارج سوى لقبٍ على باب.
توقيع أفق الحرف ..
أفق يترفق باتساعه ليقول:”غيّروا السفير إن شئتم.. لكن لا تغيّروا الرجل وتتركوا المرض؛ فالسفارة التي لا يجد فيها المواطن دولته، لا تكفيها لافتةٌ تحمل اسم الدولة.
إنا لله ياخ..
الله غالب .
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.