حرب ما بعد الحرب: الكيماوي.. موتٌ بطيء بالوصفة الكيزانية

بقلم: يوسف عز الدين

 

تُعدّ الحروب بمثابة زلازل مدمرة لا تنتهي تبعاتها بمجرد صمت المدافع، بل إن أخطر ما فيها قد يبدأ بعد توقف القتال؛ ذلك «الكيماوي» الصامت والمستمر الذي يتغلغل في جسد المجتمع والاقتصاد والبيئة، ويترك آثاراً قد تمتد لسنوات طويلة.

 

وعندما نتساءل: ماذا بعد الكيماوي والحروب؟ فإننا نفتح الباب أمام مشهد معقد يعيشه المواطن المتضرر، الذي يجد نفسه عالقاً بين سندان دمار البنية التحتية ومطرقة العقوبات الاقتصادية الدولية.

 

فهذا المواطن لا يخوض حرباً واحدة، بل يجد نفسه مضطراً إلى مواجهة أمرّين، أحلاهما مرارة: مرارة البقاء تحت القصف وفقدان الأمان، ومرارة العيش في «حرب ما بعد الحرب»، حيث الجوع والمرض والعزلة التي قد تفرضها القرارات الدولية.

 

ثم ماذا بعد الكيماوي؟

 

إن استنشاق الغازات السامة قد يخلف عاهات مستديمة، ويترك آثاراً صحية خطيرة على الأطفال والنساء وغيرهم من المدنيين. وبعد النجاة من الموت المباشر، تبدأ مرحلة أخرى من المعاناة، قد تكون أشد فتكاً وأطول أمداً.

 

سيتحول الحصول على جرعة علاج كيميائي لمريض سرطان إلى معجزة يومية، وستصبح الرعاية الصحية نفسها معركة من نوع آخر.

 

وقد تؤدي العقوبات والقيود الاقتصادية إلى تجفيف منابع استيراد الأجهزة الطبية وقطع الغيار، بينما تعرقل القيود المصرفية وصول المواد الخام اللازمة لصناعة الأدوية، الأمر الذي قد يجعل المواطن المتضرر يواجه الموت ببطء بسبب نقص الرعاية الصحية، تماماً كما كان يواجه الموت سريعاً تحت القصف.

 

ولم تتوقف المعاناة عند القطاع الطبي؛ فالكهرباء تحولت إلى ضيف عابر يزور المنازل لساعات محدودة، والوقود أصبح سلعة نادرة، يتطلب الحصول عليها الوقوف في طوابير طويلة قد تمتد لأميال.

 

وهكذا يجد المواطن نفسه مجبراً على التكيف مع اقتصاد مشلول، وعملة وطنية تتراجع قيمتها بصورة متسارعة، بينما تتآكل قدرته على توفير أبسط احتياجات الحياة.

 

إن التلاحم بين دمار الحرب وقسوة العقوبات يخلق بيئة طاردة للحياة؛ فالمدارس مدمرة، ومصادر المياه مهددة بالتلوث نتيجة تضرر محطات التنقية، بينما تعيق القيود المفروضة استيراد قطع الغيار اللازمة لصيانتها.

 

أما الشباب، فيجدون أنفسهم أمام خيارات محدودة وقاسية: إما الهجرة غير الشرعية عبر «قوارب الموت»، أو الاستسلام لواقع يفتقر إلى أدنى مقومات الكرامة الإنسانية.

 

إنها حلقة مفرغة من العذاب؛ حيث يُعاقَب الضحية مرتين: مرة لأنه عاش في أرض المعركة، ومرة لأنه يحاول البقاء على قيد الحياة فوق أنقاضها.

 

إلى متى تظل الملفات الإنسانية ورقة ضغط سياسية في أيدي القوى العظمى، على حساب أرواح الأبرياء؟

 

أليس من الإجحاف أن يُحرم طفل مصاب بالسرطان من جرعة علاجه بحجة معاقبة نظام سياسي؟

 

ولماذا كل هذه القسوة في عالم يشاهد شعباً بأكمله يختنق ببطء بين مخلفات الحرب، وآثار الأسلحة السامة، والقيود الاقتصادية، دون أن يتحرك بما يكفي لإنقاذ المدنيين؟

 

إن الحرب قد تنتهي يوماً بصمت المدافع، لكن آثارها لا تصمت بالضرورة؛ فقد تبدأ حرب أخرى أكثر هدوءاً، وأطول عمراً، يخوضها الناجون كل يوم ضد الجوع والمرض والفقر وانهيار الخدمات.

 

تلك هي حرب ما بعد الحرب؛ موت بطيء لا يسمع العالم صوت رصاصه.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.