إعادة ضبط

التحول الأخير لا يعني أن الخماسية فقدت دورها فقط، بل يعني أن الدور الإقليمي والأفريقي كله دخل مرحلة تراجع حاد.
طيف أول :
للذين ظلّوا يراقبون خيط الزوال
حين يستحيل شفقًا ويغرب،
وللقلوب المثقلة بالتردد،
ولكل من حسم احترابه مع نفسه،
ولذاك الذي ألف عتمة قلبه
وأصبح يزعجه الضوء.

وما حدث من إعلان موقف جديد للخماسية ليس عودة إلى الصواب، بل اعترافٌ بيّن بالفشل، بعد أن أُغلقت أمامها كل الأبواب التي كانت تراهن عليها.
والخطأ الأكبر هو تصوير هذا التحول وكأنه صحوة سياسية أو إدراك متأخر لقيمة جهود ومواقف القوى المدنية.
فالخماسية لم تتراجع لأنها اكتشفت فجأة أهمية المدنيين وضرورة الحكم المدني، بل لأنها خسرت الورقة التي كانت تبني عليها مسارها ورقة البرهان التي أحرقتها واشنطن بالاتهامات الأخيرة.
فالدول الإقليمية التي دعمت الخماسية، والاتحاد الأفريقي الذي لعب دورًا ضد القوى المدنية، وجدت نفسها بلا حليف فعّال بعد تغيّر ميزان القوة، وبعد أن أصبح مسار الحرب مكلفًا سياسيًا وإنسانيًا ودبلوماسيًا.
لذلك لم يكن أمام الخماسية إلا أن تعود إلى مسار القوى المدنية طائعة لا قائدة. فـ الذي كان على خطأ هو الذي يعود إلى الصواب.
لذلك فإن تراجع الخماسية ليس انتصارًا لذكائها، بل إعلانٌ عن فشل مسارها السابق، وانتصارٌ لثبات القوى المدنية على موقفها عندما رفضت مسار الخماسية.
ولهذا يجب أن تلتقط القوى المدنية اللحظة، وأن تدعم المسار السياسي الشامل للحل دون الالتفات إلى الوراء، وأن تدخل إلى الطاولة من موقع قوة .
فالخماسية اليوم ليست في مقعد من يفرض خطة أو يطرح مسارًا، بل في موقع من يبحث عن شريك يعيد لها أهليتها.
وهذا يعيد القوى المدنية إلى قيادة دفة المبادرة، لأن الرفض السابق هو الذي صنع مكانتها، والامتثال اليوم هو الذي يعيد ترتيب المشهد لصالحها.
فالاتهامات الأخيرة للبرهان باستخدام الكيماوي هي الطريق نحو حل شامل بعصا العقوبات، ولا أظن أن هناك فرصة أخرى لمبادرات إقليمية أو مظلات سياسية لتقديم ورقة جديدة للحل.
فالخماسية لم تغيّر موقفها لأنها أدركت فجأة أن الحرب تُخلّف كارثة إنسانية، بل لأن الحدود السياسية التي كانت تتحرك داخلها تغيّرت قسرًا.
حتى سفرها إلى الخرطوم، فقد كشفت مصادر مطلعة أن واشنطن والأمم المتحدة حدّدتا للخماسية تخومًا سياسية واضحة لهذه الزيارة: دعم مسار الرباعية وعدم تجاوزه، وإحاطة البرهان بأنه لا مجال لخلق مسار جديد.
وهذا الموقف الجديد من الولايات المتحدة في تقييد الخماسية ينزع تلقائيًا الروح السياسية من الحوار الذي يطرحه البرهان، ويحوّله إلى عنوان بلا وظيفة.
كما أن هذا القرار، في جوهره، يسحب من الخماسية دور اللاعب الذي يصنع الأهداف، ويحوّلها إلى مجرّد عضو في فريق دولي، لا يقود اللعبة بل يشارك فيها ضمن حدود مرسومة فهي لم تعد تملك القدرة على فرض أجندة أو هندسة مسار سياسي منفرد. لذلك فإن ما يبدو تراجعًا هو في الحقيقة إعادة ضبط قسرية.
والتحول الأخير لا يعني أن الخماسية فقدت دورها فقط، بل يعني أن الدور الإقليمي والأفريقي كله دخل مرحلة تراجع حاد.
فالضغوط الأمريكية والأممية التي حدّدت للخماسية حدودًا سياسية صارمة منها دعم مسار الرباعية ولا بديل للحكم المدني لم تُضعف الخماسية وحدها، بل قلّصت وزن الدول الإقليمية التي كانت تدعم مسارًا موازياً، وأضعفت الدور الأفريقي الذي راهن على البرهان ودعم مسارات ضد القوى المدنية.
وهذا ليس مجرد تعديل في التكتيك، بل إعلان فشل للمسار الإقليمي والأفريقي الذي حاول أن يصنع حلًا خارج الإرادة المدنية.
وذكرنا من قبل أن أي دولة أو جماعة تراهن على مشروع البرهان ستسقط معه، لأن مشروعه لا يملك مقومات البقاء، ولا رؤية دولة، ولا شرعية، ولا حتى قدرة على إنتاج استقرار.
وهذا ما حدث فالاتحاد الأفريقي خسر أهليته كوسيط
والإقليم خسر رهانه السياسي والخماسية خُفّض دورها .
بالمقابل الرباعية الآن تعود للواجهة لأنها أصبحت المسار الوحيد المقبول دوليًا.
لذلك فإن القوى المدنية، بهذا التراجع، تستعيد موقع القيادة السياسية لأنها لم تدخل في المسار الخاطئ، حتى لا تضطر إلى التراجع كما فعلت الخماسية.
ومع هذا الموقف الجديد، يصبح المناخ مناسبًا للقوى المدنية كي تستثمر خطواتها نحو الولايات المتحدة، وتدفع باتجاه مسار الرباعية باعتباره المسار الوحيد المقبول دوليًا.
وزيارة صمود المرتقبة لواشنطن تمنح القوى المدنية فرصة نادرة لإعادة تسويق مشروعها السياسي كخيار واقعي وشامل، في لحظة تراجعت فيها كل المسارات الأخرى.
مما يمكّنها من توجيه البوصلة الدولية بعيدًا عن الوسيط الأفريقي، وهي بلا شك فرصة استراتيجية لإعادة وضع القوى المدنية في موقع القيادة، لتشكّل مركز الجاذبية السياسية الذي تتحرك نحوه الأطراف الإقليمية، بما فيها الخماسية.

طيف أخير:
#لا_للحرب
ردّ الحكومة على اتهامات أمريكا بالكيماوي التي جاءت متأخرة بعد انتقادها على الصمت
يحمل عدة ثغرات تورّط الحكومة أكثر مما تبرئها
أولها اعترافها بدخول مادة الكلور إلى البلاد في وقت لم يكن فيه سكان في الخرطوم، حتى تترك الحكومة معاركها وتنشغل بتقنية مياه لمنازل خالية من السكان و(مويتها قاطعة).
غدًا نقف على بيان الحكومة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.