تتوالى فصول المأساة السودانية مخلفة وراءها ركاماً هائلاً من الدمار البشري والمادي، في مشهد عبثي يؤكد كل يوم يمر أن البندقية مهما استطالت لا يمكن أن تنتج دولة، وأن لغة السلاح قد وصلت إلى طريق مسدود حتمي. إن التعويل على الحسم العسكري في صراع معقد ومركب كالصراع الدائر في السودان ليس سوى وهم استراتيجي يغذي نزيف الدم ويدفع بالبلاد بخطى متسارعة نحو حافة التفكك والانهيار الشامل.
منذ انطلاق شرارة الصراع، تبنت أطراف النزاع خيارات الاستحواذ المطلق، متجاوزة كل الحقائق التاريخية والجغرافية والاجتماعية التي تؤكد أن السودان فسيفساء غنية لا يمكن إخضاعها بقوة السلاح أو فرض رؤية أحادية عليها. فالحروب الداخلية، لا سيما تلك التي تلامس الهوية والبنية الاجتماعية والجهوية لا تُحسم بانتصار عسكري كلاسيكي ينهي الطرف الآخر، بل تنتهي دائماً على طاولة المفاوضات بعد أن تكون قد استنزفت مقدرات الوطن وأهلكت الحرث والنسل.
إن استمرار الرهان على المعارك الميدانية لا يحقق نصراً لأي طرف، بل يكرس واقعاً كارثياً من النزوح واللجوء والمجاعة، ويمهد الطريق أمام التدخلات الإقليمية والدولية التي تجعل من السيادة الوطنية أثراً بعد عين.
من قلب هذا الركام تبرز صرخة المواطن السوداني المنهك، صرخة مدوية تحملها آلام الملايين الذين دفعوا ثمن طموحات السلطة وأجندات الحرب «كفاية حرب». هذه الصرخة ليست ضعفاً ولا استسلاماً، بل هي قمة الوعي الوطني والمسؤولية التاريخية تجاه بلد يواجه خطر الزئول والانقسام.
فالتاريخ المعاصر يعلمنا أن استمرار التشظي العسكري يفضي حتماً إلى تشظي جغرافي وسياسي، وتجارب الدول المجاورة ماثلة للعيان حين تفتت الدول إلى دويلات متناحرة على أسس عرقية وجهوية.
إن استمرار الحرب الحالية يعبد الطريق لتقسيم السودان إلى كيانات هشة، تفقد فيها الأجيال القادمة حقها في العيش في وطن واحد آمن ومستقر.
من هذا المنطلق تصبح الدعوة إلى وقف الحرب ورفض خطاب الكراهية والتصعيد واجباً وطنياً وأخلاقياً لا يقبل التأجيل. إننا مطالبون اليوم أكثر من أي وقت مضى برفع الصوت عالياً لنقول: نعم للسلام، لا للحرب. السلام ليس خياراً ثانوياً أو ترفاً سياسياً، بل هو الضمانة الوحيدة المتبقية لبقاء السودان موحداً وذا سيادة.
إن العودة العاجلة إلى مسار الحوار السياسي الشامل، بعيداً عن الإقصاء وبمشاركة حقيقية للقوى المدنية والشبابية ولجان المقاومة وكل أطياف المجتمع السوداني هي المخرج الوحيد من هذه النفق المظلم. هذا الحوار يجب أن يؤسس لترتيبات أمنية وسياسية جديدة تفضي إلى جيش مهني واحد، وإلى دولة مدنية ديمقراطية تحترم التنوع وتصون الحقوق.
لقد حان الوقت لتغليب صوت العقل على صوت الرصاص، ولتتحمل النخب العسكرية والسياسية مسؤوليتها التاريخية بوقف هذا العبث الدموي فوراً. فالتاريخ لن يرحم من يساهمون في تمزيق ما تبقى من هذا الوطن العظيم، وستبقى صرخة المواطن السوداني البسيط هي البوصلة الحقيقية التي ترسم طريق الخلاص: إيقاف الحرب اليوم حفظاً لما تبقى من تراب الوطن ووحدته وكرامة إنسانه.
Prev Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.