«صمود» يطرق أبواب المجتمع الدولي لإنهاء حرب السودان

نورا عثمان

 

في وقت تتسع فيه دائرة الحرب السودانية، وتتعمق كلفة الصراع على الإنسان والدولة، تبدو التحركات المدنية خارج ساحات القتال واحدة من المسارات القليلة التي ما زالت تفتح نافذة أمام السلام. وفي هذا السياق يأتي لقاء وفد تحالف القوى المدنية الديمقراطية «صمود» بالمبعوث الأممي إلى السودان، بيكا هافيستو، في العاصمة المصرية القاهرة، بوصفه حلقة جديدة في الجهود الرامية إلى كسر جدار الحرب وفتح الطريق أمام حل سياسي.

اللقاء، بحسب ما نقله القيادي في «صمود» خالد عمر يوسف، جرى في أجواء إيجابية، وشهد تبادلاً للرؤى حول تطورات الأزمة والتحركات الإقليمية والدولية الرامية إلى وقف القتال والوصول إلى تسوية سياسية.

لكن أهمية اللقاء لا تكمن فقط في ما دار خلف الأبواب المغلقة، وإنما في دلالته السياسية: أن القوى المدنية السودانية ما زالت تحاول انتزاع قضية السلام من منطق البندقية وإعادتها إلى مسار السياسة.

السلام لا يصنعه العسكريون وحدهم، حيث أثبتت سنوات الحرب أن الحل العسكري لم ينجح في إنهاء الأزمة، بل أدى إلى اتساع رقعة الدمار وتفاقم الكارثة الإنسانية وانهيار قطاعات واسعة من الاقتصاد والخدمات. ولهذا فإن استمرار القوى المدنية في التواصل مع الوسطاء والمبعوثين الدوليين ليس ترفاً سياسياً، وإنما ضرورة وطنية. فالسودان يحتاج إلى صوت مختلف عن أصوات المدافع؛ صوت يضع حياة المدنيين وحقهم في دولة مستقرة فوق حسابات المتحاربين ومصالح القوى التي تستفيد من استمرار الصراع.

ومن هنا تبرز أهمية تحرك «صمود» إقليمياً ودولياً، خصوصاً أن أي تسوية مستقبلية لن تكون مستدامة إذا اقتصرت على التفاهمات العسكرية، أو تمت بعيداً عن القوى المدنية والمجتمعية التي تمثل تطلعات قطاعات واسعة من السودانيين.

اختيار القاهرة لعقد اللقاء يحمل أيضاً دلالة مهمة، في ظل الدور الإقليمي الذي تلعبه مصر في الملف السوداني، وتعدد المبادرات والاتصالات الرامية إلى وقف الحرب. لكن المطلوب هو ألا تتحول المبادرات الإقليمية إلى مسارات متنافسة تزيد المشهد تعقيداً. السودان يحتاج إلى تنسيق دولي وإقليمي حقيقي، يضع وقف إطلاق النار وحماية المدنيين في مقدمة الأولويات، ثم يمهد لعملية سياسية سودانية شاملة. فكثرة المبادرات لا تعني بالضرورة اقتراب السلام، إذا لم تتوحد حول أهداف واضحة وآليات تنفيذ وضمانات حقيقية.

المدنيون ليسوا طرفاً ثالثاً، وأحد أكبر الأخطاء التي ارتكبت خلال مسار الأزمة السودانية هو التعامل مع القوى المدنية باعتبارها مجرد طرف ثالث بين قوتين عسكريتين. السودانيون المدنيون هم أصحاب المصلحة الأكبر في إنهاء الحرب، وهم الذين دفعوا الثمن الأعلى: قتلاً ونزوحاً وفقداناً للمنازل ومصادر الدخل وتدميراً لمؤسسات الدولة.

لذلك، فإن إشراك القوى المدنية في صناعة الحل ليس منحة من العسكريين أو الوسطاء، بل حق أصيل للسودانيين في تقرير مستقبل بلدهم. وإذا كان المجتمع الدولي جاداً في إنهاء الحرب، فعليه أن يدعم مساراً سياسياً لا يعيد إنتاج الأزمة نفسها، ولا يمنح القوى المسلحة وحدها حق تحديد شكل الدولة ومستقبلها.

لقاء «صمود» بالمبعوث الأممي خطوة مهمة، لكنها لن تكون كافية ما لم تتحول الاتصالات إلى ضغط سياسي ودبلوماسي فعلي على أطراف الحرب. المطلوب وقف القتال، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وحماية المدنيين، وتهيئة الظروف لعودة النازحين واللاجئين، ثم إطلاق عملية سياسية سودانية ذات مصداقية، لا تكون مجرد غطاء لإعادة توزيع السلطة بين النخب المسلحة. كما أن المجتمع الدولي مطالب بالتعامل بجدية مع شبكات المصالح التي تستفيد من استمرار الحرب، أياً كان موقعها أو انتماؤها السياسي أو العسكري.

الحرب لم تعد تهدد حاضر السودان وحده، بل تهدد مستقبله أيضاً. وكل يوم إضافي من القتال يعني مزيداً من تفكك المؤسسات، واتساع الاقتصاد الموازي، وانهيار الخدمات، وتعميق الانقسامات الاجتماعية والسياسية. ولهذا فإن التحرك المدني نحو المجتمع الدولي يجب أن يستمر، وأن يتوسع ليشمل العواصم المؤثرة والمنظمات الإقليمية والدولية. لكن الأهم أن تحافظ القوى المدنية على استقلال قرارها، وألا تتحول إلى ملحق بأي محور إقليمي، وأن تجعل معيارها الوحيد هو مصلحة السودان وحق شعبه في السلام والدولة المدنية والديمقراطية. لقاء القاهرة قد لا يكون نقطة التحول المنتظرة، لكنه يؤكد أن هناك من لا يزال يرفض أن يكون مستقبل السودان مرهوناً بالبندقية.

وفي بلد أنهكته الحرب، يصبح مجرد الحفاظ على مسار سياسي ومدني مفتوح عملاً من أعمال المقاومة الوطنية. فالسودان لن يخرج من أزمته بانتصار طرف على آخر، وإنما عندما ينتصر السلام على الحرب، والدولة على الميليشيا، والإرادة المدنية على منطق السلاح.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.