البيانات والرؤى السياسية المتلاحقة الصادرة بحزب المؤتمر الوطني المحلول والمذيلة بإسم أحمد هارون بصفته الرئيس المفوض تطرح جملة من التساؤلات الشاهدة بالذاكرة التاريخية القريبة وتفتح باب المحاكمة السياسية والفكرية للتجربة برمتها؟…
أولاً لمن ومن تمثل بيانات أحمد هارون؟ وهل الرئيس الشرعي هو إبراهيم محمود أم أحمد هارون؟
ثانياً كيف يتسنى لمن أدار البلاد لثلاثة عقود وأورثها مديونية تجاوزت 60 مليار دولار وعمق عسكرة الحياة السياسية عبر المليشيات الموازية أن يعود اليوم لممارسة دور الحافظ الأمين والحريص الأكبر على الدولة حتى دون أن يكلف نفسه كلمة اعتذار واحدة للشعب السوداني أو مراجعة فكرية وتوبة سياسية صريحة؟
ثالثاً كيف يرجى سلام أو تجديد من خطابات تستدعي ممارسات ومفاهيم الثمانينيات والتسعينيات وتغلف التبرير السياسي بالنصوص الدينية والابتلاء واستدعاء مؤامرات دول الجوار، دون تقديم أي نقد ذاتي للأخطاء الكارثية التي قادت البلاد للانهيار؟..
كل هذه التناقضات الواضحة بين المبدأ والممارسة والتجربة تكشف الإنقسام الذي يمر به حزب المؤتمر الوطني وتنسف ادعاءات التجديد ودفع الوجوه الشبابية وبإنه يعاني عملياً من شلل قيادي بين شرعية مكتب قيادي يمثلها إبراهيم محمود، وشرعية مجلس شورى ومناورة تنظيمية يمثلها أحمد هارون المطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية والهارب من سجن كوبر عقب إندلاع حربهم حرب ابريل والمدعومة من قيادات وشوري الحركة الإسلامية النافذة التي على رأسها الأمين العام المكلف لها على كرتي والتي تتهامها مجموعة إبراهيم محمود بأنها غير مؤسسية وباطلة لائحياً وتم فيها خرق النظام الأساسي فمن يمثل أحمد هارون في أصله وفرعه اليوم؟
وهل البيانات الصادرة باسمه تعبر عن إرادة قواعد حزبية طحنتها الحروب والغرف المظلمة التي تديرها القيادات التاريخية؟
وهل الرئيس الفعلي هو إبراهيم محمود حامد المعين وفق الأطر التنظيمية والمتمسك بآليات المؤسسية، أم أن السلطة الفعلية باتت رهينة لجناح البشير المدعوم من الأمين العام المكلف للحركة الإسلامية علي كرتي ومجموعته النافذة؟
وكيف يرجى سلام أو تجديد من خطابات ما زالت تستدعي أساطير الأولين ومفاهيم الثمانينيات والتسعينيات المأزومة، لتغلف الفشل السياسي الممتد بالنصوص الدينية العالية، وتختزل انهيار الدولة الكارثي في شماعة الابتلاء ومؤامرات دول الجوار؟
وأين هو النقد الذاتي الصريح للأخطاء الكارثية التي أفضت بالبلاد إلى الحافة ثم ألقت بها في أتون الهاوية؟
وكيف يجرؤ هذا الحزب دون أن يكلف نفسه تقديم كلمة اعتذار واحدة للشعب السوداني أو مراجعة فكرية وتوبة سياسية شجاعة، على العودة اليوم لممارسة دور الحافظ الأمين والحريص الأكبر على مقدرات الوطن؟ وكيف لمن كرّس نهج التمكين واستئصال المخالفين وشق النسيج الاجتماعي لأربعة عقود أن يطل مجدداً ليقدم حلولاً تزعم التأسيس لدولة المواطنة ودون إقرار واضحة بجرائمه التاريخية؟ بدلاً من تقديم توبة سياسية تلبي تطلعات الشارع السوداني الذي اكتوى بنار التمكين والمشروع الحضاري وتصر على تقديم هذا التنظيم في صورة صانع السلام ورائد التعافي الوطني
ولعله من المثير للسخرية والشماتة السياسية أن يتضمن الخطاب الأخير للمؤتمر الوطني المحلول دعوات براقة ومطالبات تنادي باستنفار كل الخبرات والطاقات الوطنية لبناء مسار اقتصادي وطني بدلاً من الشكوى، وكأن التاريخ بدأ للتو، وكأن هذا الحزب لم يكن هو الحاكم والمهيمن المطلق الذي أدار اقتصاد السودان على مدى ثلاثة عقود متواصلة إن الذاكرة السودانية ليست بالضعف الذي يتخيله هؤلاء فالجميع يعلم أن هذا الحزب تسلم مقاليد الحكم والبلاد تمتلك مؤسسات اقتصادية وخدمة مدنية متماسكة نوعاً ما وعاش في كنف أضخم طفرة نفطية شهدتها المنطقة في أواخر التسعينيات وأوائل القرن الحالي، ولكنه بدلاً من بناء اقتصاد إنتاجي راسخ وتأسيس احتياطيات استراتيجية تحمي الدولة اختار إدارة البلاد مستنزفاً ومستغلاً فيها الموارد الوطنية وموجهاً أكثر من سبعين بالمئة من الموازنات العامة لقطاع الأمن والدفاع والحروب الداخلية ضد أبناء الوطن على حساب التعليم والصحة والزراعة والبنية التحتية.
لقد خرج الحزب من الحكم وأورث الدولة ديوناً خارجية تجاوزت ستين مليار دولار، واقتصاداً ريعياً متهالكاً، وعملة وطنية في حالة انهيار حر، فكيف يتسنى لمن أورث البلاد هذا الإنهيار الاقتصادي الكارثي أن ينصب نفسه اليوم خبيراً اقتصادياً وداعية للإنقاذ؟
ومقدماً للوصفات الاقتصادية للغير وباستخفاف تام بعقول السودانيين الذين اكتووا بنار الفقر والغلاء والتشريد جراء السياسات الاقتصادية الفاشلة لنظام الإنقاذ.
وليس الملف الاقتصادي سوى الرأس الظاهر لجليد الكارثة، إذ يتجلى النفاق السياسي بأبشع صوره حين يتعرض الخطاب إلى الشأن الأمني والعسكري فكيف يجرؤون على الحديث عن حماية المؤسسة العسكرية وصون سيادة الدولة، مع إغفال تام للحقيقة التاريخية البارزة التي تؤكد أن الحزب المحلول هو الصانع الأول والأب الشرعي لنهج التجييش الموازي والتعبئة الشعبية خارج أطر الجيش النظامي؟
وبما أن عقيدة الحزب مبنية على الشك والريبة تجاه الجيش الوطني الاحترافي وهي التي دفعت قياداته طوال العقود الماضية إلى تأسيس وتسليح المليشيات الموازية، بدءاً من قوات الدفاع الشعبي والأجهزة الأمنية الخاصة، وصولاً إلى صناعة قوات الدعم السريع التي تم إقرار قوانينها وتأطير وجودها داخل البرلمان المزور في عهد عمر البشير على حساب بناء مؤسسات عسكرية وأمنية احترافية وموحدة تحمي البلاد، ليفكك بالكامل احتكار الدولة للسلاح الشرعي، ولينتج في نهاية المطاف التكوينات المسلحة المتصارعة التي يكتوي بها الوطن والشعب اليوم إن دعوة الحزب الحالية للتعبئة والاستنفار تكرر ذات النموذج الذهني المأزوم الذي فضل التسليح والتجييش الأيديولوجي واستخدام الحرب للعودة إلى السلطة، متجاهلاً أن تكرار ذات الأساليب القديمة لن ينتج إلا مزيداً من التمزق والدمار، وأن من تسبب في تفكيك المؤسسة العسكرية لا يمكن أن يكون هو الباني لها.
وتأتي عقيدة التمكين كإحدى أبشع الجرائم التي ارتكبها المؤتمر الوطني بحق السودان وهي العقيدة التي لا تزال أطيافها تخيم على بياناته الحالية دون أدنى نقد ذاتي ولأن المشروع الحضاري قام المحسوبية والتمكين الإيديولوجي وعلى الفرز والتمييز بين المواطنين، واحتكار الوظيفة العامة والقضاء والجيش والأمن لصالح الولاء التنظيمي، مع تحويل المخالفين السياسيين إلى أعداء للوطن والدين إن هذا النهج الإقصائي لم يكتفي بتفكيك الخدمة المدنية وإفراغها من الكفاءات الوطنية، بل ذهب إلى أبعد من ذلك بكثير عبر ضرب النسيج الاجتماعي وتغذية التناقضات القبيلية والجهوية لإدارة الأزمات في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، وهي السياسات التي أدت في نهاية المطاف إلى بتر جزء عزيز من الوطن وانفصال جنوب السودان في عام 2011. إن خطورة الخطاب الصادر باسم أحمد هارون يكمن في استخدامه لشعارات دولة المواطنة والقانون والتسامي عن الجراح وفي الوقت الذي لم يصدر فيه قيادات الحزب أي مراجعة فكرية علنية أو إقرار صريح ببطلان عقيدة التمكين وتفكك المجتمع كيف يصح إذن تصديق من مارست مؤسساته التفكيك الممنهج لأركان الدولة، وبنت شرعيتها على الإقصاء والبطش؟ والحديث عن المواطنة دون نقد التمكين هو مجرد تدليس سياسي ومحاولة لركوب موجة الشعارات الوطنية للالتفاف على استحقاقات العدالة والمساءلة.
وتتضح الخدعة السياسية حين يطالب الحزب بتشكيل حكومة كفاءات مستقلة غير حزبية لإدارة فترة انتقالية للوصول إلى الانتخابات إن هذا المقترح، الذي قد يبدو للملاحظ السطحي وطنياً لكنه يمثل في جوهره استراتيجية تنظيمية خبيثة للالتفاف على الحظر القانوني المفروض على الحزب وعلى حالة الرفض الشعبي العارم لوجوده لقد اعتاد المؤتمر الوطني عبر تاريخه الممتد منذ جبهة الميثاق الإسلامية، على العمل عبر الواجهات وكتل الظل للسيطرة على مفاصل الحكم من خلف الستار دون تحمل المسؤولية المباشرة والدعوة إلى حكومة مستقلين في هذا الظرف الراهن هي مجرد غطاء يهدف إلى تمكين التنظيم من إعادة زرع كوادره غير المعلنة في مفاصل الدولة والخدمة المدنية، واستغلال حالة السيولة الأمنية والسياسية لإعادة ترتيب أوضاعه الداخلية للمشهد القادم بما يضمن خروجه الآمن من المحاسبة والعودة المباشرة إلى السلطة عبر أساليب التعبئة والتزييف وإن الحزب يعلم جيداً أن خوضه للعمل السياسي بوجهه الصريح وسجله الدموي الفاشل المستبد بات أمراً مستحيلاً، لذلك يستعيض عن الامتداد الشعبي بالواجهات المصنوعة والتستر خلف العناوين البراقة..
ولعل الأزمة الكبرى التي تكشفها خطابات الحزب المحلول ليست فقط في التناقض الصارخ بين المقولات النظرية والممارسة العملية، بل في العجز الأخلاقي التام عن الاعتذار للشعب السوداني لثلاثة عقود، اكتوى السودانيون فيها بنار الحروب الأهلية، والنزوح، واللجوء، والقمع الأمني، والتعذيب في بيوت النمل والخفاء، وانهيار الاقتصاد، وعزل البلاد دولياً وتصنيفها كدولة راعية للإرهاب، وصولاً إلى انفجار حرب الخامس عشر من أبريل التي كانت نتاجاً طبيعياً للتجييش الموازي والانسداد السياسي الذي خلفه النظام البائد ورغم كل هذه الفظائع التي تشهد بها أركان الأرض، يرفض الحزب باستغباء عجيب تقديم كلمة اعتذار واحدة، أو إجراء مراجعة فكرية وتقييم للذات، بل يصر على تقديم نفسه في صورة الضحية التي تعرضت للمؤامرات، والشهيد الذي أبتلي في سبيل مشروعه الأحادي إن هذا الغرور والاستبداد عن التوبة السياسية يثبت أن عقيدة هذا التنظيم لم تتغير قيد أنملة، وأن الإعتقاد الفكري الذي أنتج الفاشية والتمكين وإقصاء الآخر ما زال هو المحرك الأساسي لقياداته وإن من لا يرى في كل هذا الفشل الذريع أخطاء تستوجب اعتذاراً تاريخياً، لن يتردد في إعادة إنتاج ذات الفشل بنفس الأدوات والأساليب إذا ما أتيحت له الفرصة مجدداً…
وإن محاولة استدعاء الخطاب الأيديولوجي اوتغليف الفشل بالنصوص الدينية والحديث عن الابتلاء ورفع الشعارات العاطفية ليست سوى بضاعة كاسدة لم تعد تنخدع بها الذاكرة الوطنية لقد استهلك التنظيم طوال فترة حكمه كل الذرائع الأيديولوجية واستخدم الدين كأداة للتعبئة الحزبية وتبرير الأخطاء وتكميم ألسنة الناقدين حتى أفرغ الشعارات الفاضلة من محتواها الأخلاقي والروحي واليوم حين تعود ذات القيادات لاستدعاء ذات اللغة العاطفية للهروب من المساءلة السياسية والأخلاقية فإنها تؤكد عجزها الفكري الكامل عن مواكبة التحولات الوطنية الصعبة، وتثبت أنها تعيش خارج صيرورة التاريخ وإن السودان المعاصر الذي دفع ثمن الشمولية والاستبداد من دماء أبنائه واستقرار مجتمعه، لن يرتضى العودة إلى المربع الأول، ولن يقبل ببيع المستقبل لحزب يقتات على أمجاد الماضي الزائفة ويقتاد البلاد نحو الانقسام والتشرذم.
وإن الرهان على إعادة تدوير الوجوه الفاشلة الماضية يمثل قمة الاستخفاف بالعقل الجمعي لأن شباب السودان الذين ذاقوا مرارة البطالة، وتدني التعليم، والقمع في الجامعات، واجبروا إلى جبهات القتال في الحروب العبثية، يعرفون جيداً أن الواجهات الشبابية التي يدفع بها الحزب اليوم هي واجهة لتجميل الوجه القبيح لقيادات تاريخية ترفض التنازل عن مقاعد القرار والصراع بين مجموعات أحمد هارون وإبراهيم محمود، بكل ما يكتنفه من صراعات لائحية واتهامات متبادلة توضح أن التجديد داخل هذا التنظيم أمر مستحيل، لأن البنية الهيكلية والعقيدة الفكرية التي يدار بها قائمه على السمع والطاعة، وعلى تقديم الولاء التنظيمي للقيادات التاريخية على حساب الكفاءة والمؤسسية ويثبت ويبرهن أن دعاوي وشعارات الاصلاح وأدعياء الحزب حول قدرته على تقديم رؤية لإصلاح الدولة السودانية مجرد وهم فارغ ومناورة مكشوفة.
وإن الشارع السوداني، وهو يواجه أعتى القضايا والمخاطر الوطنية في تاريخه الحديث، يدرك تماماً أن بناء سودان المستقبل الجديد لا يمكن أن يتحقق عبر إعادة شخوص الماضي، ولا عبر الوصفات الاقتصادية والسياسية المقدمة ممن كانوا سبباً أساسياً في الانهيار والمسار الوطني الصحيح ينبغي أن يمر عبر التفكيك الكامل لبنيات الفاشية والتمكين، وإجراء مراجعات جذرية ومحاكمات عادلة ترسي دولة المؤسسات وسيادة القانون والعدالة، حيث تصبح المواطنة هي المعيار الوحيد للحقوق والواجبات، دون إقصاء أو تمييز حزبي أو إيديولوجي والحزب الذي يعجز عن نقد ذاته، والذي يتعالى على الاعتذار لشعبه، هو تنظيم انتهت صلاحيته التاريخية والأخلاقية، ولن تكون دعواته الأخيرة بتوقيع أحمد هارون سوى الفصل الأخير من كتاب سقوط تجربة الحركة الإسلامية في الحكم
فهل يعي القائمون على الحزب المحلول أن قطار التاريخ قد تجاوزهم، أم أنهم سيستمرون في الجري خلف السراب والارتهان لماضي لن يعود؟ والإجابة صريحة وواضحة في ضمير الشعب إن من كان جزءاً من الأزمة، يظل بامر التاريخ والقانون والأخلاق، عاجزاً عن أن يكون جزءاً من الحل.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.