حكومة تمشي على حبلٍ من دخان

محمد سراج محمد

في بلادٍ صار فيها المواطن خبيراً في الاقتصاد من فرط ما يراقب أسعار الخبز، وصار الدولار كائناً أسطورياً كلما حاول أحدهم الإمساك به ازداد وحشية، تبدو الحكومة وكأنها تعقد اجتماعاتها في كوكب آخر، ثم ترسل لنا محاضر الاجتماعات في صورة ارتفاع جديد للأسعار.
منذ أن جاءت حكومة رئيس الوزراء كامل إدريس، كان المواطن ينتظر أن يرى شيئاً من الضوء في آخر النفق. لكنه اكتشف أن النفق نفسه يحتاج إلى حكومة، وربما إلى لجنة عليا لإدارة شؤونه. الوعود تمشي، والقرارات تمشي، والتصريحات تمشي، وحدها حياة الناس لا تجد طريقاً للمشي.
أما وزارة جبريل إبراهيم، فقد دخلت امتحان الاقتصاد والسياسة المالية، والنتيجة ــ بحسب ما يلمسه المواطن في السوق ــ لا تحتاج إلى لجنة امتحانات: راسب مع مرتبة الامتياز في صناعة الأعذار.
الدولار، في هذه الحكاية، لم يعد عملة أجنبية؛ صار فرداً من أفراد الأسرة. يستيقظ الناس صباحاً ليسألوا: «الدولار وصل كم؟» ثم يكتشفون أن السؤال الحقيقي هو: «نحن وصلنا إلى أين؟»
كلما ارتفع الدولار، ارتفعت الأسعار، وكلما ارتفعت الأسعار، خرج تصريح يشرح للمواطن أسباب الارتفاع. وهكذا أصبح المواطن يدفع ثمن السلعة، ثم يدفع ضريبة الاستماع إلى تفسير لماذا ارتفع ثمنها.
وفي السوق، لم يعد التاجر يحتاج إلى آلة حاسبة. يكفيه أن ينظر إلى وجه الزبون ليعرف مقدار ما يستطيع أن يدفعه، ثم يضيف هامشاً صغيراً اسمه «ظروف البلد». أما الجشع، فقد حصل على الجنسية السودانية وأصبح يمارس نشاطه التجاري بصورة رسمية.
لكن المشكلة لا تنتهي عند الاقتصاد. فهناك سياسة تمارس أحياناً كما لو كانت لعبة كراسي موسيقية: كلما توقفت الموسيقى، اكتشفنا وزيراً جديداً، وحليفاً جديداً، وتصريحاً جديداً، بينما الكرسي نفسه لا يزال مكسوراً.
أما أركان حكومة عبد الفتاح البرهان، فتبدو كأنها مبنى قديم تعبت أعمدته من حمل السقف، وكل يوم يخرج مهندس ليؤكد أن المبنى «مستقر»، بينما المواطن يسمع صوتاً يشبه صوت التشققات.
المفارقة السوداء أن السياسي الذي لا يملك ألف باء السياسة يستطيع أحياناً أن يجد لنفسه مكاناً في الصف الأول، بينما المواطن الذي يعرف ألف باء المعاناة يقف في صف الخبز والوقود والدواء.
نحن أمام مشهد عبثي كامل الأركان: حكومة تبحث عن الاستقرار، وسوق يبحث عن المواطن في جيبه، ودولار يبحث عن رقم قياسي جديد، وتاجر يبحث عن هامش ربح لا يعرف كلمة «كفاية»، وسياسي يبحث عن منصب، ومواطن يبحث عن سبب واحد يجعله يبتسم.
حتى النكتة السودانية القديمة بدأت تفقد قدرتها على إنقاذنا. فالواقع صار أكثر سخرية من السخرية نفسها. عندما يصبح راتب الموظف خبراً قديماً قبل نهاية الشهر، يصبح الحديث عن «تحسين معاش الناس» أشبه بمن يصف للمريض جمال المستشفى بينما المريض يسأل عن سرير.
ومع ذلك، لا تزال البيانات الرسمية تتحدث بلغة مطمئنة، كأن الاقتصاد إذا سمع الكلمات الجميلة سيشعر بالخجل ويعود إلى عافيته.
لكن الاقتصاد لا يخجل.
والدولار لا يخجل.
والسوق لا يخجل.
الذي يخجل هو المواطن، حين يدخل الدكان وفي يده قائمة طويلة، ثم يخرج منها بحاجتين فقط، ويقول للبائع: «الباقي المرة الجاية»؛ وهو يعرف في داخله أن «المرة الجاية» قد تكون أغلى من أن يصل إليها.
هكذا تتصدع أركان المشهد السياسي، ويتعثر الأداء الحكومي، وتزداد المسافة بين مكاتب المسؤولين وبيوت المواطنين.
ولعل المأساة الحقيقية ليست أن حكومة أخفقت في تحقيق كل وعودها؛ فكل الحكومات تخطئ وتتعثر. المأساة أن المواطن السوداني أصبح يدفع فاتورة التعثر من قوته اليومي، وأن الفشل الإداري والسياسي لم يعد خبراً في الصحف، بل صار رقماً على فاتورة السوق.
في النهاية، ربما تحتاج البلاد إلى معجزة.
لكن قبل المعجزة، تحتاج إلى شيء أبسط بكثير:
حكومة تعرف أن المواطن ليس رقماً في تقرير، والسياسة ليست كرسياً، والاقتصاد ليس بياناً صحفياً، وأن الصبر الشعبي ليس مورداً لا ينضب.
فقد نفد الكثير من كل شيء.
إلا التصريحات.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.