في كل دول العالم التي تريد أن تنهض، يكون المعلم هو أول من يُكرم وآخر من يُهان. أما في السودان، فقد أصبح المعلم هو الحلقة الأضعف، والموظف الذي تداس كرامته كل شهر، والمواطن الذي يُطلب منه أن يعلم الأجيال القادمة معنى العدل وهو يعيش الظلم بكل تفاصيله.
نحن اليوم في التاسع عشر من سبتمبر، والمعلم السوداني لم يصرف راتبه بعد. عشرون يوما مرت من الشهر والمعلم بلا مرتب. عشرون يوما وهو يذهب إلى المدرسة كل صباح، ويقف أمام التلاميذ، ويشرح الدروس، ويصحح الكراسات، ويعود إلى بيته في المساء وجيبه فارغ. كيف يعيش؟ كيف يأكل أبناؤه؟ كيف يدفع إيجار بيته؟ كيف يشتري الدواء؟ لا أحد في الحكومة يجيب على هذه الأسئلة، لأن أحدا في الحكومة لا يهتم.
إن ما يحدث ليس تأخيرا عابرا بسبب ظروف الحرب أو ظروف اقتصادية طارئة. ما يحدث هو سياسة ممنهجة لإفقار المعلم وإذلاله. فالراتب الذي يتأخر حتى التاسع عشر من الشهر هو راتب لا يساوي شيئا في الأصل. راتب المعلم في السودان اليوم لا يكفي لشراء احتياجات أسبوع واحد. الأسعار ترتفع كل ساعة، والدولار يصعد بلا توقف، والأسواق تشتعل، بينما راتب المعلم ثابت في مكانه، ضعيف، هزيل، لا يغني ولا يسمن.
والكارثة الأكبر ليست في ضعف الراتب الحالي فقط، بل في سرقة الماضي. الحكومة ترفض حتى اليوم صرف متأخرات الرواتب لعشرة أشهر كاملة، ومتأخرات ثماني منح. عشرة أشهر من العمل بلا مقابل، وثماني منح مستحقة قانونا لم تدفع. هذا ليس تقصيرا إداريا، هذه سرقة مكتملة الأركان. الحكومة أخذت جهد المعلمين ووقتهم وعرقهم لمدة عشرة أشهر ولم تدفع ثمنه، وتتصرف كأن هذا الحق قد سقط.
ولكي يفهم الناس حجم هذه السرقة بالأرقام، يجب أن ننظر إلى قيمة هذه المتأخرات وكيف تآكلت بفعل التضخم المتعمد وانهيار العملة الذي تتحمل الحكومة مسؤوليته كاملة.
في بداية عام 2025، كانت جملة متأخرات مرتب ومنح لمعلم في الدرجة الأولى حوالي 3 مليون جنيه سوداني. هذا المبلغ كان في ذلك الوقت يعادل حوالي 1666 دولارا. كان مبلغا يمكن أن يبني به المعلم جزءا من حياته، أو يسدد به دينا، أو يعالج به مريضا.
أما الآن، في 19 سبتمبر 2026، فإن هذه الملايين الثلاثة نفسها، التي لم تصرفها الحكومة وظلت محجوزة في خزائنها، تعادل 375 دولارا فقط. الحكومة سرقت من معلم الدرجة الأولى 1291 دولارا من قيمة مستحقاته، بدون أن تمد يدها على الورق. سرقته عن طريق الزمن، وعن طريق ترك العملة تنهار، وعن طريق حجز حقه.
ونفس الجريمة تكررت مع معلم مدخل الخدمة، المعلم الشاب في الدرجة التاسعة الذي بدأ حياته بخدمة التعليم. كانت متأخراته في بداية 2025 تبلغ 1 مليون و 158 ألف جنيه، وكانت تعادل 643 دولارا. واليوم، في 19 سبتمبر 2026، تساوي هذه المليون و158 ألف جنيه ما يعادل 144 دولارا فقط لا غير. أربعمائة وتسعة وتسعون دولارا تبخرت من حق معلم مبتدئ لا يملك شيئا.
هذا هو الفارق. هذا هو حجم الخسارة التي تحملها المعلم وحده. الحكومة لم تخسر شيئا. هي احتفظت بالجنيه السوداني الورقي، ودفعت قيمته الحقيقية من جيب المعلم. كل يوم تأخير هو سرقة جديدة. كل شهر يمر بدون صرف المتأخرات هو انخفاض جديد في القيمة. الحكومة تعلم هذه الحقيقة جيدا، ولذلك هي تتعمد التأخير.
أي عقل يقبل أن يعمل موظف عشرة أشهر بدون راتب؟ أي قانون في العالم يسمح للدولة أن تحجز ثماني منح مستحقة ثم تتجاهلها؟ لو أن عاملا بسيطا في شركة خاصة لم يأخذ راتبه لشهر واحد لذهب إلى مكتب العمل واشتكى. فما بالك بعشرات الآلاف من المعلمين الذين لم يأخذوا حقوقهم لعشرة أشهر، ولا أحد يسمعهم.
إن المعلم اليوم يقف في مأساة مزدوجة. من جهة، راتبه الحالي الذي يصرف متأخرا حتى التاسع عشر من الشهر لا يشتري شيئا في ظل هذا الغلاء الفاحش الذي يضرب البلاد. كيلو السكر، ورطل الزيت، وكيلو الدقيق، كلها أصبحت أرقاما فلكية. والمعلم مطالب أن يواجه هذا الغلاء براتب لا يزيد. ومن جهة أخرى، حقوقه القديمة تذوب أمام عينيه كل يوم، والحكومة ترفض الاعتراف بها أو جدولتها أو حتى الحديث عنها.
الحكومة تريد تعليما مجانيا، لكنها لا تريد أن تدفع ثمنه. تريد مدارس مفتوحة، لكنها لا تريد أن تعطي المعلم ما يعيش به. تريد من المعلم أن يكون قدوة في الانضباط والوطنية، وهي لا تقدم له أبسط مقومات الحياة الكريمة. كيف نطلب من المعلم أن يربي جيلا يحترم الدولة، والدولة نفسها لا تحترم المعلم؟
إن استمرار هذا الوضع يعني شيئا واحدا: تدمير التعليم بشكل كامل. المعلم الجائع لا يمكنه أن يعلم. المعلم المهان لا يمكنه أن يبني جيلا قويا. المعلم الذي يفكر طوال اليوم كيف يوفر ثمن المواصلات إلى المدرسة لن يستطيع أن يفكر في طريقة جديدة لشرح الدرس.
المطلوب اليوم ليس وعودا جديدة. المطلوب هو دفع الرواتب في أول الشهر وليس في التاسع عشر منه. المطلوب هو جدولة فورية وواضحة لصرف متأخرات العشرة أشهر والثماني منح، مع تعويض عن فارق سعر الصرف الذي تسببتم فيه. المطلوب هو زيادة حقيقية في راتب المعلم تتناسب مع الغلاء الفاحش، وليس زيادة شكلية.
إذا كانت الحكومة عاجزة عن دفع راتب المعلم، فعليها أن تعلن ذلك بوضوح. أما أن تصمت وتتجاهل وتترك المعلمين يواجهون مصيرهم وحدهم في التاسع عشر من سبتمبر بلا راتب، وبلا متأخرات، وبلا منح، فهذه ليست حكومة، هذه إدارة للفشل.
Prev Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.