إن منظار المقارنة بين الحضور المدني والعسكري في أمريكا من خلال الزيارتين يجعل زيارة حمدوك تبدو أكثر أهمية من خطاب البرهان أمام الأمم المتحدة، فالتصريح الأمريكي أمس بعدم الاعتراف بحكومة البرهان ينزع عنه صفة «الحكومة المعترف بها»، ويقوّي خطاب حمدوك في واشنطن الذي يقدم نفسه كمسار مدني بديل.
طيف أول :
لربما أخشى من قصيدتي القادمة،
فأنا ما زلتُ مُشتبهاً بمحبرتي!!
والوفد الذي يقوده د. عبد الله حمدوك، رئيس مجلس الوزراء السابق في حكومة الثورة، والذي يضم قيادات من قوى إعلان المبادئ بما فيها صمود، وصل فجر اليوم الأحد بتوقيت السودان إلى نيويورك في زيارة تكتسب أهميتها من أنها تأتي متزامنة مع انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة.
ولا شك أنه يحمل إلى واشنطن خطابًا مدنيًا يقوم على فكرة ضرورة وقف الحرب، وإدخال المساعدات، واستعادة الدولة عبر مسار سياسي شامل، وإعادة بناء المؤسسات، والمحاسبة على الانتهاكات، وفتح الباب أمام تسوية سياسية لا تقوم على القوة العسكرية.
وتسبق زيارة القوى المدنية زيارة البرهان إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، والتي يسعى الجنرال فيها إلى تقديم نفسه للعالم باعتباره ممثل الدولة السودانية وصاحب الشرعية، مستندًا إلى خطاب السيادة ورفض أي مسار دولي لا يمر عبر حكومته. هذا الخطاب ما هو إلا حالة من التكرار والإعادة في كل المحافل التي ملت الآذان سماعها.
لذلك فإن منظار المقارنة بين الحضور المدني والعسكري في أمريكا من خلال الزيارتين يجعل زيارة حمدوك تبدو أكثر أهمية، لأنها أقرب إلى محاولة إعادة تقديم «البديل المدني الممكن» الذي يمكن أن يلتف حوله المجتمع الدولي لإنهاء الحرب.
وقد يعقد الوفد المدني لقاءات مع المسؤولين الأمريكيين، مما يمنحه فرصة سياسية ذهبية قد يكون تأثيرها أكبر من منصة الجمعية العامة التي سيخاطبها عبد الفتاح البرهان، لأن الزيارة مفتوحة ستناقش فيها كل القضايا بمرونة وبأخذٍ وعطاء، عكس طريقة إلقاء الخطب.
وبين توقيت الخطابين، يبرز تصريح مسعد بوبس الذي قال أمس إن أمريكا لا تعترف بحكومة البرهان ولا بالدعم السريع، وهو تصريح يعكس تحوّلًا مهمًا في موقف المجتمع المدني السوداني، وينسجم مع ما تقوله المنظمات الدولية التي تطالب بإدانة الطرفين. هذا التصريح يضعف خطاب البرهان في نيويورك، لأنه ينزع عنه صفة «الحكومة المعترف بها»، ويقوّي خطاب حمدوك في واشنطن الذي يقدم نفسه كمسار مدني بديل.
لذلك فإن مسعد بولس ربما يبادر بالسعي لفتح نافذة حوار مع القوى المدنية قبل أن تسعى هي إليه، لأن واشنطن الآن تبحث عن صوت سوداني مدني يدعم مواقفها المطروحة. فعندما تجد قوى سياسية سودانية تمثل واجهات سياسية مختلفة ومتماسكة، فهذا يعطيها دافعًا، سيما أنها تعمل الآن على ترسيم حدود الشرعية وفق معيار الحكم المدني الديمقراطي، الأمر الذي قد يجعل البيت الأبيض أكثر حماسًا لتبني رؤية القوى المدنية في هذه المرحلة الحرجة.
ولهذا السبب ذكرنا سابقًا أن توقيت الزيارة يأتي في الزمن الممتاز، لأن المزاج الأمريكي خاصة في هذه الأيام (هواه مدني).
كما أن العالم يتجه نحو تعزيز آليات التحقيق والمحاسبة بدلًا من تقليصها. وهذا وحده يكفي ليؤكد أن البرهان لن يستطيع إقناع المجتمع الدولي بخطاب القوة، لأن خطاب الحرب فقد شرعيته أمام حجم الانتهاكات، بينما خطاب السلام والمحاسبة أصبح أكثر قبولًا واتساقًا مع رؤية المجتمع الدولي لإنهاء الأزمة.
أيضًا ما يجعل زيارة القوى المدنية تكتسب أهمية وترفع سقف التوقعات بنتائج أكبر هو أن خطاب البرهان في تحركاته الخارجية يظل محدودًا بطبيعته، لأنه يتحرك داخل مساحة ضيقة لا تسمح له بلقاء المسؤولين المؤثرين في الإدارة الأمريكية أو الكونغرس، كما أن وضعه كقائد لسلطة أمر واقع يجعله محصورًا في إطار بروتوكولي لا يتجاوز الرسائل العامة.
أما زيارة حمدوك فهي زيارة حرة بالكامل، تتيح له مساحة واسعة لطرح رؤيته السياسية، خاصة أنه يرافقه عدد من القيادات المدنية من قوى إعلان المبادئ، ما يمنحه قوة تمثيل مدني لا تتوفر للبرهان.
هذا الفارق بلا شك يجعل خطاب حمدوك أكثر قبولًا لدى المجتمع الدولي، الذي بات يدرك أن الحكم المدني هو الخيار الأمثل.
لهذا فإن الجنرال يقف أمام مجتمع دولي لم يعد يؤمن بمقولة “المجد للبندقية”، و يتجه نحو “المجد للسلام”، وضرورة حماية المدنيين، ووقف الانتهاكات. ولهذا تبدو قدرة البرهان على إقناع المجتمع الدولي شبه معدومة، في وقت تتقدم فيه الأصوات المدنية التي تحمل رؤية سياسية مختلفة، وتنسجم مع ما يريده العالم لإنهاء الأزمة السودانية.
طيف أخير :
#لا_للحرب
دعا الفريق البرهان، من خلال مخاطبته لمجلس الكنائس، إلى ضرورة السلام والمحبة، وقال إن كافة الأديان تدعو إلى السلام.
ولكن لماذا تدعون أنتم للحرب ولاستمرارها وتخالفون جميع الأديان!!
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.