راتب سبتمبر: حين يأتي الراتب حاملاً معه البؤس

محمد سراج محمد

ثمة مآسٍ لا تحتاج إلى مسارح، ولا إلى أبطال تراجيديين، ولا حتى إلى موسيقى حزينة في الخلفية؛ يكفي أن تكون معلماً في هذا البلد، وأن تنتظر راتب سبتمبر حتى تدرك أن العبث ليس مذهباً فلسفياً فحسب، بل نظاماً معاشياً يمكن أن يداوم فيه الإنسان من الثامنة صباحاً حتى الظهر، ثم يعود إلى بيته ليكتشف أن راتبه قد داوم معه أيضاً… لكنه لم ينجح في أداء المهمة.
كان الحديث عن مرتب سبتمبر مختلفاً هذه المرة. قيل إنه سيكون معدلاً، وإنه سيحمل شيئاً من الإنصاف، وإن المعلم ــ ذلك الكائن الذي اعتاد أن يشرح للآخرين معنى الصبر ــ سيجد أخيراً في راتبه ما يساعده على الصمود أمام وحش الغلاء، وقسوة السوق، وتلك الحوجة التي لا تؤمن بالتأجيل.
انتظر المعلم الراتب كما ينتظر السجين خبراً بالعفو.
وحين وصل الراتب، لم تكن المفاجأة في أنه لم يحقق الأحلام؛ فالمعلم، بحكم التجربة، لا يسمح لأحلامه أن ترتفع كثيراً حتى لا يكون سقوطها مؤلماً. المفاجأة كانت في أن الراتب جاء وكأنه يحمل رسالة فلسفية عميقة تقول:
“لقد بذلنا ما استطعنا… والباقي على الله.” ونعم بالله وكيلا رحيما قادر معين..
وهكذا وجد المعلم نفسه أمام معضلة وجودية مكتملة الأركان:
راتب موجود حسابياً، لكنه غائب اقتصادياً؛
وزيادة يُفترض أنها تخفف العوز، فإذا بها لا تكفي حتى لإقناع العوز بأن يغادر.
في الفلسفة، تُطرح أسئلة الوجود الكبرى: من نحن؟ لماذا نحن هنا؟ ما معنى الحياة؟ وما الغاية من الوجود؟
أما في حياة المعلم بعد صرف مرتب سبتمبر، فقد اختُصرت الفلسفة كلها في سؤال أكثر واقعية:
كيف يكفي هذا المبلغ حتى نهاية الشهر؟
وهو سؤال لا يحتاج إلى أفلاطون ولا أرسطو، بل يحتاج إلى معجزة اقتصادية. إن المأساة الحقيقية ليست في أن الراتب قليل فحسب، وإنما في اتساع المسافة بين الراتب وما يُنتظر منه أن يفعله. فهناك طعام، ومواصلات، وعلاج، وتعليم، وفواتير، والتزامات أسرية، وسوق لا يعرف الرحمة، وأسعار تتصرف وكأنها في سباق أولمبي لا نهاية له.
والأكثر سخرية أن السوق لا يعترف بالتعهدات الحكومية.
السوق لا يقول للمعلم: “لقد وعدتكم الحكومة بتحسين المرتب، ولذلك سأمنحكم كيلو السكر بسعر الأمس.”
ولا يقول صاحب المواصلات: “سمعنا أن مرتبكم عُدّل، ولكن لا بأس، سنبقي التعرفة كما كانت.”
ولا يقتنع البائع بأن المعلم موظف محترم، ولا تمنحه مكانته الاجتماعية خصماً خاصاً على فاتورة الحاجة.
الحاجة، ببساطة، لا تقرأ البيانات الرسمية.
وهنا تكمن الكوميديا السوداء.
المعلم الذي يُطلب منه أن يصنع جيلاً للمستقبل، يجد نفسه عاجزاً عن صناعة ميزانية للأسبوع القادم. والذي يُلقّن طلابه دروساً عن التخطيط والأهداف والطموح، يضطر في نهاية الشهر إلى ممارسة أعلى درجات التخطيط: أي فاتورة تُدفع أولاً، وأي حاجة يمكن تأجيلها، وأي ضرورية يمكن تحويلها ــ بعبقرية البؤس ــ إلى “غير ضرورية”.
إنها ليست مجرد أزمة مرتب؛ إنها أزمة معنى.
فحين يصبح الراتب عاجزاً عن توفير الحد الأدنى من الاستقرار، يتحول العمل من وسيلة للحياة إلى وسيلة لتأجيل الانهيار. وحين يعيش المعلم هذا التناقض بصورة متكررة، يصبح كل مرتب جديد أشبه بفصل جديد من رواية تراجيدية طويلة؛ رواية لا يموت بطلها في نهايتها، لأنه ببساطة لا يملك ترف الموت، بل يواصل الحضور، يشرح الدرس، يصحح الكراسات، يبتسم للطلاب، ثم يعود إلى منزله ليبدأ درساً آخر في اقتصاد البقاء.
ولعل أكثر ما يدعو إلى السخرية أن المعلم مطالب دائماً بأن يكون قدوة.
نعم، قدوة في الصبر، وقدوة في التضحية، وقدوة في تحمل المسؤولية، وقدوة في حب المهنة.
لكن يبدو أن هناك اقتراحاً مضمراً لم يُكتب في اللوائح:
أن يكون أيضاً قدوة في كيفية العيش بلا مال.
وهكذا يصبح المعلم أمام تجربة فلسفية نادرة: كيف يستطيع الإنسان أن يحتفظ بكرامته كاملة، بينما تتآكل قدرته على تلبية حاجاته الأساسية؟
إنها فلسفة البؤس اليومي، حيث لا تأتي التراجيديا في صورة حدث ضخم، وإنما في تفاصيل صغيرة متكررة: قائمة مشتريات تُختصر، دواء يُؤجل، فاتورة تُرحّل، حاجة تُستبعد، وطفل يُقال له: “لاحقاً”.
وفي كل مرة يقال للمعلم إن الغد سيكون أفضل، يكتشف أن الغد نفسه يحتاج إلى مرتب جديد.
أما سبتمبر، الذي كان يُفترض أن يكون بداية انفراج، فقد جاء أشبه برسالة ساخرة من الواقع:
ليس كل راتبٍ زيادةً في القدرة على الحياة، فقد يكون أحياناً مجرد تمديدٍ آخر لعقد البقاء.
وهكذا يستمر المعلم.
لا لأنه بخير، بل لأنه اعتاد ألا يكون بخير.
يذهب إلى المدرسة، يحمل طباشيره، ودفاتره، وهمومه، ويقف أمام الطلاب ليتحدث عن المستقبل، بينما المستقبل نفسه يقف في آخر الفصل، يراقبه بصمت، وربما يشعر بشيء من الخجل.
إنها تراجيديا سوداء، نعم، لكنها تراجيديا لا تجد وقتاً للبكاء؛ لأن السوق ينتظر، والحوجة لا تعرف الأعذار، والأسعار لا تجامل أحداً.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأكثر مرارة وسخرية:
إذا كان راتب سبتمبر المعدّل لا يستطيع أن يعدّل شيئاً من بؤس المعلم،
فأيُّ تعديلٍ كان المقصود؟
ربما كان المقصود تعديل الرقم فقط…
أما حياة المعلم، فتلك حكاية أخرى.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.