السودان في عين العاصفة

هشام محمد شريف

من حرب داخلية إلى عقدة جيوسياسية بين هرمز والبحر الأحمر وأوروبا
لم يعد السؤال عن السودان محصوراً في معرفة الطرف الذي يتقدم عسكرياً أو يسيطر على مدينة جديدة.
السؤال الأهم هو:
ماذا يحدث للسودان حين تتقاطع حربه الداخلية مع أزمات كبرى تعيد رسم خريطة المنطقة والعالم؟فبينما تستمر الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، تتبدل البيئة المحيطة بالسودان بسرعة. التوتر في الشرق الأوسط أعاد مضيق هرمز إلى واجهة الاقتصاد العالمي، والتطورات العسكرية في اليمن رفعت أهمية باب المندب والبحر الأحمر، فيما باتت أوروبا تنظر إلى هذا الممر البحري باعتباره جزءاً من أمنها الاقتصادي والعسكري، لا أزمة بعيدة على هامش اهتمامها.
وفي القرن الأفريقي تتقاطع حسابات السودان مع إثيوبيا وإريتريا وجيبوتي والصومال، ومع تنافس إقليمي متصاعد على الموانئ والنفوذ وطرق التجارة.
وهكذا يجد السودان نفسه في موقع بالغ الحساسية
دولة غارقة في حرب داخلية، لكنها تقع على واحدة من أهم العقد الجغرافية في العالم.حرب لم تعد محصورة في الخرطوم
بعد أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاع القتال، لم يعد المشهد السوداني يشبه بداياته. فقد بدأ الصراع مواجهة مباشرة على السلطة بين الجيش والدعم السريع، تتركز أساساً في الخرطوم ومحيطها، قبل أن يمتد إلى مناطق واسعة ويخلق مراكز نفوذ وشبكات مصالح جديدة.
أصبحت كردفان إحدى أهم ساحات القتال، واكتسب النيل الأزرق أهمية متزايدة، فيما تحولت الحدود الشرقية والغربية من خطوط على الخريطة إلى ممرات للإمداد والتحالفات والمخاوف الأمنية. كما باتت الطائرات المسيّرة جزءاً أساسياً من المعركة، بما يعكس انتقال الحرب من صراع على العاصمة إلى صراع على الجغرافيا السودانية نفسها.
وهذا الاتساع يجعل التسوية أكثر تعقيداً. فالمفاوضات لا تتعامل مع طرفين عسكريين فقط، بل مع مصالح محلية وشبكات اقتصادية وقوى مسلحة متعددة، لكل منها حساباتها ومكاسبها المحتملة من استمرار الحرب أو انتهائها.
السودان لا يعيش في جزيرة
ربما كان أكبر خطأ في قراءة الحرب السودانية هو التعامل معها باعتبارها أزمة داخلية خالصة. فالسودان محاط بدوائر أمنية وسياسية متداخلة: مصر وليبيا شمالاً، وتشاد وأفريقيا الوسطى غرباً، وجنوب السودان جنوباً، وإثيوبيا وإريتريا والبحر الأحمر شرقاً، فيما تقابله عبر البحر السعودية واليمن.
لكل دولة من هذه الدول مصالحها ومخاوفها وحساباتها. لذلك يمكن لأي تطور في الحرب السودانية أن ينتقل سريعاً إلى خارج الحدود، كما يمكن لأي اضطراب إقليمي أن يعود ويؤثر في السودان.
ومن هنا تبرز أهمية البحر الأحمر، الذي لم يعد فاصلاً بين منطقتين، بل أصبح جسراً يربط أزمات الخليج واليمن والقرن الأفريقي ومصر وأوروبا.ما يحدث في اليمن يؤثر في أمن البحر الأحمر وقناة السويس، وما يحدث في الخليج ينعكس على حركة الملاحة والطاقة، فيما تصل اضطرابات البحر الأحمر إلى الأسواق والموانئ الأوروبية والآسيوية.
وبين هرمز وباب المندب، يقع السودان في موقع يصعب على القوى الإقليمية والدولية تجاهله.
هرمز وباب المندب: أزمتان في منظومة واحدة
يمثل مضيق هرمز شرياناً رئيسياً للطاقة العالمية، بينما يشكل باب المندب بوابة البحر الأحمر وقناة السويس.
وعندما يتهدد أحد المضيقين، ترتفع كلفة النقل والتأمين والطاقة؛ أما اضطرابهما معاً فيحوّل الأزمة إلى مشكلة عالمية.
وقد أظهرت التطورات العسكرية الأخيرة في اليمن أن السيطرة أو النفوذ على المواقع الساحلية والجزر القريبة من باب المندب يمكن أن يمنح الأطراف المتصارعة قدرة أكبر على التأثير في حركة الملاحة.
وترى تحليلات إقليمية أن تزامن التوتر في هرمز وباب المندب يفتح المجال أمام ضغوط متزامنة على طريقين استراتيجيين للتجارة والطاقة.
هذه المعادلة ترفع قيمة السودان الجيوسياسية، لكنها لا تمنحه بالضرورة قوة وطنية.
فالموقع الاستراتيجي يتحول إلى فرصة عندما تكون الدولة مستقرة وقادرة على إدارة موانئها وحدودها، لكنه قد يتحول إلى مصدر للتدخلات عندما تكون المؤسسات منقسمة والسيادة على الأرض ضعيفة.
لماذا يهم السودان أوروبا؟
لم تعد أوروبا تنظر إلى البحر الأحمر باعتباره أزمة بعيدة. فالممر البحري يرتبط مباشرة بالتجارة والطاقة وسلاسل الإمداد وأمن الموانئ، كما أن اضطرابه يمكن أن يرفع كلفة النقل ويؤثر في الأسواق الأوروبية.
وتدفع هذه الاعتبارات الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز حضوره البحري ومراقبة مستوى التهديد في المنطقة. غير أن اهتمام أوروبا بالسودان لا يرتبط بالملاحة وحدها. فاستمرار الحرب قد يفاقم النزوح والهجرة، ويغذي شبكات التهريب والجريمة، ويزيد هشاشة دول القرن الأفريقي.
السودان، بساحله الطويل على البحر الأحمر وموقعه بين شمال أفريقيا والقرن الأفريقي، يقع عند نقطة تلتقي فيها هذه الملفات كلها. لذلك لم يعد ممكناً بالنسبة إلى أوروبا التعامل معه باعتباره ملفاً إنسانياً أفريقياً منفصلاً عن أمنها الأوسع.
القرن الأفريقي: جبهة إضافية محتملة
إذا كان البحر الأحمر هو الطريق، فإن القرن الأفريقي هو الأرض التي تتحكم في جانب كبير من هذا الطريق. إثيوبيا تبحث عن منفذ بحري أكثر استقلالاً، وإريتريا تتمتع بموقع ساحلي مهم، وجيبوتي تستضيف قواعد عسكرية دولية، بينما يواجه الصومال تحديات أمنية وسياسية عميقة. أما السودان، فيمتلك واحداً من أطول السواحل الأفريقية على البحر الأحمر.
مصالح هذه الدول ليست متطابقة؛ بعضها يتقاطع وبعضها يتعارض. ومع استمرار الحرب السودانية، تصبح الحدود الشرقية أكثر حساسية، ولا سيما مع تنامي التوترات المرتبطة بإثيوبيا. وفي الوقت نفسه، يؤكد الخطاب السوداني الرسمي أنه لا يريد فتح حرب جديدة مع جاره الشرقي.وهذا موقف مفهوم؛ فالسودان يواجه بالفعل جبهات متعددة، وأي صدام إضافي مع دولة مجاورة قد يوسع دائرة الحرب ويمنح القوى الخارجية مساحة أكبر للتدخل.
وتتداخل هنا ثلاثة ملفات يصعب فصلها
النيل، والحدود، والبحر الأحمر. فالسودان يقع بين مصر وإثيوبيا، وهما دولتان محوريتان في قضية مياه النيل، ويمتلك في الوقت ذاته منفذاً بحرياً يزداد أهمية مع تصاعد التنافس الإقليمي. وكلما ازدادت قيمة الوصول إلى البحر، ازدادت القيمة الجيوسياسية للسودان، ومعها مخاطر تحوله إلى ساحة تنافس بين الآخرين.

نواصل

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.