ورطة بورتسودان: حين تعجز السلطة عن الإدارة وتغلق أبواب السلام

نورا عثمان

تتجلى في العاصمة الإدارية المؤقتة، بورتسودان، مفارقة سياسية وإنسانية شديدة القسوة؛ سلطة قيادة الجيش برئاسة الفريق أول عبد الفتاح البرهان تُصر على التمسك بشرعية أمر واقع، بينما تتساقط مقومات الدولة الأساسية وتتلاشى قدرتها على إدارة أزماتها الحياتية واليومية.
إن المتأمل في المشهد اليوم يرى ورطة حقيقية تحيط بحكومة بورتسودان من كل جانب؛ فمن ناحية، أثبتت التجربة الميدانية والخدمية عجزاً كاملاً في توفير الحد الأدنى من متطلبات المواطنين السودانيين، سواء في المناطق الخاضعة لسيطرتها أو أولئك النزاحين الذين يواجهون شح الغذاء وتدهور الرعاية الصحية وانهيار العملة الوطنية. لم تعد إدارة الدولة تدار بأسس حوكمة المؤسسات، بل عبر القرارات الانفعالية وإدارة الأزمات الأمنية فقط.
ومن ناحية أخرى، تكمن العقدة الأكبر في التعاطي مع مبادرات السلام الدولية والإقليمية. فعوضاً عن استغلال منابر التفاوض لوقف نزيف الدم وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، تواصل سلطة بورتسودان قطع الطريق أمام المبادرات الجادة للوصول إلى وقف إطلاق النار وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية. هذا التعنت، المبرر بالرهان على الحسم العسكري، أثبت مع مرور الوقت أنه يستهلك أمن السودان وسيادته ومستقبل أبنائه.
هذا الانسداد السياسي والفكري جلب بدوره حصاراً دولياً وتصاعداً في الضغوط الخارجية؛ إذ بدأ صبر المجتمع الدولي والإقليمي ينفد تجاه الطرف الذي يُنظر إليه بعين المسؤولية عن إطالة أمد الصراع وإعاقة المساعدات. إن الموقف الدولي المتشدد والعزلة المتزايدة حول حكومة بورتسودان ليسا مجرد تخوفات نظريّة، بل بواعد لحصار سياسي واقتصادي سيزيد من معاناة المواطن المنهك أساساً.
إن السلطة ليست مجرد مسميات أو المكوث في المقرات الرسمية، بل هي مسؤولية حماية الأرواح وتوفير مقومات العيش الكريم؛ وحين تفشل قيادة الجيش في تحقيق السلام وتفشل في إدارة الدولة، فإن الاستمرار في هذا المسار لا يُعد سوى تعميق للورطة وتأجيل لانتهاء الكارثة. لقد حان الوقت للمواجهة الصريحة مع الذات: السودان يحتاج إلى وقف العبث، وفتح الطرق أمام السلام الشامل، وإنهاء الارتهان لسياسات الخراب.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.