يعيش المرءُ ما استحى بخير، ويبقى العودُ ما بقي اللحاء.
أغلب الظن، وإن كان بعضه إثمًا، أن المقال المنسوب إلى الجنرال البرهان في مجلة «فورين بوليسي» ليس هو بكاتبه. وإن صحّ بعض إثم هذا الظن، فتلك كبيرة الكبائر، وإن لم يكن كذلك، فيا لها من أمّ الكبائر. ولا أزال أرجّح ظني الآثم، وسأعتذر إن ثبت أنه من كتب أمّ الكبائر هذه بنفسه.
لن تكتفي بالدهشة حين تقرأ «التقويلة» أول الأمر، بل ستلتفت يمنة ويسرة لتجد الدهشة نفسها ساجدة مذهولة حين تعيد القراءة؛ فكل كلمة فيها إدانة مغلّظة للجنرال شخصيًا دون سواه. يقول: «قُتل ما لا يقل عن ٥٩ ألف شخص.. إلخ»، وفاته أن يضيف كلمة، فقط،«كما قالها البشير سابقًا»، فكم نصيبك من هذا «الفقط»؟ وكم نصيب من تحاربهم؟ أم أن يدك ناصعة البياض في هذه الحرب ولم تمتد إلى روح أي مواطن؟
نعم، السودانيون والسودانيات يريدون وضع حدّ لهذه الحرب، لكن أن يطلبوا «جميعهم» منك هذا بصفتك رئيس مجلس السيادة؛ فهذا لم يسبقك إليه أحد من العالمين. وعن أي مجلس سيادة تتحدث؟ هل هو المجلس الذي تربّعتَ عليه بفضل الثوار والثائرات الذين واجهوا نظام البشير بشعار «حرية، سلام، وعدالة»، وغدرتَ بهم في الاعتصامات في كل ربوع السودان؟ أم المجلس الذي انقلبتَ عليه حين شارفت فترة رئاستك له على الانتهاء؟ أم المجلس الذي مزّقتَ وثيقته المؤسسة دون أن يكون لك حق في ذلك؟
وأصبح كل همّك أن يُنادى بك رئيسًا لمجلس السيادة، وتحلم أن تكون رئيسًا للسودان «أو جزءًا منه» على أنقاضه ودماء شعبه. وقد فضحك تصريحك حين قلت إنك لا تريد الترشح الآن، لكن لا مانع لديك بعد حين؛ مقروءًا مع تصريحات الجنرال ياسر العطا، ومع ما جاء في خطابك هذا بأن يُترك للسياسة السودانية أن تقرر ما سيأتي لاحقًا، أي إن النية مبيّتة في الأساس.
كم نصيبك من فشل أكثر من اثنتي عشرة هدنة؟ وما دورك في جلب التدخلات التي يوحي الخطاب برفضك لها، من بين ما لا يقل عن اثنتي عشرة دولة تقدّم، «بحسب مسعد بولس»، دعمًا عسكريًا بشكل أو بآخر لطرفي الحرب؟
وعن السيادة المُفترى عليها: تقلّصت حدود البلاد في عهدك، واختفى الكِلكاب. أما المهزلة المبكية فهي قولك: «دولتنا ذات السيادة ومليشيا قوات الدعم السريع لا تقفان على قدم المساواة، لا أخلاقيًا ولا قانونيًا». من عدّل القانون ليوافق هوىً في نفس يعقوبه، يعرفه فكي وِت وِت على قمة شجرة الكداد، وأغنية الشكر لقوات الدعم السريع وللقوات شبه النظامية عمومًا، بقدرة قادر واستحياء فاق وصف الفنان عبد الله البعيو.
والطامة الكبرى قولك: «إن قادة الدعم السريع ونوابهم البارزين «أما غير البارزين فقد شملهم حضن الوطن» هم من أصدروا الأوامر لمليشيا الجنجويد بارتكاب الموبقات كلها بحق المجتمعات غير العربية في دارفور». نعم،«هذا حديث لأقدم رتبة عسكرية الآن عن إصدار الأوامر»، ذاك الذي لقّب نفسه ربّ الفور «بحسب الروايات»، وما أدراك ما فوق الله وتحت شكر الله، والفريق الدابي، والقائمة معروفة. ولسان حال البشير وأحمد هارون وكبر وموسى هلال ومعيّتهم، تعليقًا على هذه التقويلة: الزول الكذوب، الفات الكبار والقدرو.
أما اجتزاء تقارير المنظمات الدولية عن الانتهاكات التي وقعت على المواطنين، وحصرها على الفاشر، فيعضد ما قيل سابقًا عن استغلال معاناة المواطنين لحشد الإدانات ضد قوات الدعم، وليس حرصًا على حياة المواطنين. وماذا عن الإدانات بواسطة ذات المنظمات عن الانتهاكات المروعة التي حدثت في الجزيرة والخرطوم، وطائراتك التي أبادت المواطنين في الكومة ومليط، وكبكابية وسرف عمرة؟ والتي لم يسلم منها حتى المرضى من الأطفال والنساء والعجزة في مستشفيات الضعين، ونيالا وغيرها؟ وماذا عن فرض نفس وزارة الخزانة الأمريكية التي استدللتَ بها عن فرض عقوبات على مجموعات وأفراد تحت إمرتك، أو قد تكون أنت المؤتمِر بأوامرها؟ وفي كل الأحوال أنت المسؤول.
أما الحديث عن جيش وطني واحد تحت إدارة مدنية، ورفض قوات مسلحة موازية، والانتخابات الحرة النزيهة؛ فهذا هو التضليل عينه، فأنت من قطع الطريق أمام ذلك، بل وأنشأتَ عشرات القوات الموازية في ظل هذه الحرب «لا تنهَ عن خُلقٍ وقد أتيتَ بمثله»، يرفض الإملاءات الخارجية وهو لا يتحرك إلا وفقًا لمصالح الآخرين على حساب السودان وشعبه.
وعن التحقيق في الانتهاكات التي وقعت في الفاشر، فهو مطلوب، ولكن ماذا عن الانتهاكات التي وقعت في كل أرجاء البلاد، بما في ذلك استخدام الأسلحة المحرّمة؟
لا يمكن للمرء أن يفعل بنفسه هكذا، إلا إذا وُرِّط عن قصد، أو ورّط نفسه دون علم. وفي كل الأحوال: لم يبقَ العود ما نُزع اللحاء.
والله المستعان.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.