واشنطن.. البحث عن شركاء سلام السودان.. 

النور آدم سلمان

في أحدث تحرك أمريكي بشأن الحرب السودانية، وجهت واشنطن رسالة مباشرة إلى أطراف الصراع مفادها أن باب التعاون سيظل مفتوحاً أمام أي طرف يثبت جديته في السعي إلى السلام، بالتزامن مع تشديد الضغوط على القوى التي تواصل القتال أو تدعم استمراره.

وقالت وزارة الخارجية الأمريكية، في بيان صدر في 22 سبتمبر 2026، إن الرئيس دونالد ترمب ملتزم بإنهاء الحرب في السودان، التي وصفتها واشنطن بأنها أسوأ أزمة إنسانية في العالم. وأكد البيان أن الولايات المتحدة مستعدة للعمل مع «أي طرف يكون شريكاً جاداً من أجل السلام».

وضعت الإدارة الأمريكية وقف القتال الإنساني في مقدمة تحركها الجديد، داعية القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع إلى القبول بهدنة إنسانية دون شروط مسبقة، إلى جانب الدخول في حوار سياسي شامل يقود إلى انتقال نحو حكومة مدنية. وترى واشنطن أن هذه الخطوات تمثل مدخلاً ضرورياً للوصول إلى سلام مستدام، في ظل استمرار العمليات العسكرية والضربات بالطائرات المسيّرة وسقوط ضحايا مدنيين.

وبحسب الخارجية الأمريكية، فإن أياً من طرفي الحرب لم يقدم حتى الآن التزامات جادة بوقف فوري للقتال، رغم الدعوات المتكررة إلى هدنة إنسانية وفتح مسار سياسي.

العبارة الأمريكية بشأن الاستعداد للتعامل مع «أي طرف» يكون شريكاً جاداً للسلام تحمل دلالة سياسية واضحة: معيار واشنطن المعلن هو الموقف من إنهاء الحرب والانتقال السياسي، وليس الانتماء إلى أحد معسكري الصراع. وفي الوقت نفسه، أعلنت الإدارة الأمريكية أنها ستعمل على زيادة كلفة استمرار النزاع على جميع الأطراف المتحاربة والشبكات التي تغذيه. وهذا يشير إلى أن المسار الأمريكي يجمع بين الدبلوماسية والضغط، بدلاً من الاقتصار على الوساطة وحدها. يأتي البيان في وقت تكثف فيه واشنطن اتصالاتها بشأن السودان.

وفي اليوم نفسه تقريباً، كانت تحركات أمريكية وإقليمية تتواصل لدفع الأطراف نحو مقترح هدنة إنسانية لمدة 90 يوماً وفتح الطريق أمام عملية سياسية أوسع. كما أوردت رويترز أن واشنطن حجبت تأشيرة رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، في خطوة قالت مصادر سودانية وغربية إنها مرتبطة بموقف الخرطوم من مقترح وقف إطلاق النار، فيما لم تعلق الخارجية الأمريكية على مسألة التأشيرة.

وفي المقابل، قال مسؤولون سودانيون إن الحكومة تؤكد تمسكها بالسلام، بينما تستمر الخلافات بشأن شروط ومسار أي هدنة أو تسوية سياسية.

المشكلة الأساسية التي تواجه أي مبادرة دولية هي الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع العسكري على الأرض. فبينما تتحدث المبادرات الدولية عن هدنة وحوار وانتقال مدني، لا يزال القتال مستمراً، فيما تتفاقم الأوضاع الإنسانية والاقتصادية. وتشير الأمم المتحدة إلى أن اقتصاد الحرب أصبح عاملاً يساعد على استمرار النزاع، عبر ارتباط موارد وطرق تجارة وأنشطة اقتصادية بتمويل أطراف الصراع. ولذلك فإن الضغط على شبكات الدعم والتمويل يمثل جزءاً متزايد الأهمية من الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب.

الهدنة الإنسانية، رغم أهميتها، لا تمثل وحدها حلاً للأزمة السودانية. فالوقف المؤقت للقتال يمكن أن يسمح بإيصال الغذاء والدواء وفتح الممرات الإنسانية، لكنه يحتاج إلى مسار سياسي قادر على معالجة جذور الأزمة ومنع العودة إلى الحرب. ولهذا تربط واشنطن بين ثلاثة مسارات متزامنة: وقف إنساني للقتال → حوار سياسي شامل → انتقال إلى حكومة مدنية. وهو ما وصفته الخارجية الأمريكية بأنه مسار ضروري لتحقيق سلام دائم في السودان.

الرسالة الأمريكية تضع القوى السودانية أمام اختبار سياسي جديد: هل تقبل بخطوات عملية تؤدي إلى وقف الحرب وفتح المجال أمام عملية سياسية، أم يستمر القتال رغم الكلفة الإنسانية المتزايدة؟ وفي هذا السياق، لا تقتصر مسؤولية إنهاء الحرب على طرف سوداني واحد؛ فالولايات المتحدة نفسها تتحدث عن استهداف جميع الأطراف المتحاربة والشبكات التي تغذي النزاع، في إشارة إلى أن استمرار الحرب يرتبط أيضاً بشبكات الدعم والتمويل والإمداد.

وبينما تبحث واشنطن عن «شركاء جادين» للسلام، يبقى المدنيون السودانيون الطرف الأكثر تضرراً من استمرار القتال، في وقت تتسع فيه أزمة النزوح والجوع وتنهار الخدمات الأساسية. وفي النهاية، لن تُقاس جدية أي مبادرة سياسية بعدد البيانات الصادرة عنها، وإنما بقدرتها على تحويل الدعوة إلى الهدنة إلى وقف فعلي للقتال، ثم فتح طريق سياسي يضع مستقبل السودان في يد المدنيين.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.