السوبر إيغو لحكومة الأمل

محمد سراج محمد

لو عاد فرويد اليوم، ربما أعاد النظر في نظريته عن السوبر إيغو.

فقد كان يرى أن السوبر إيغو يمثل سلطة الضمير والقواعد الأخلاقية والمعايير التي يكتسبها الإنسان من المجتمع. لكن يبدو أن حكوماتنا طورت نسخة أحدث منه: سوبر إيغو حكومي لا يراقب السلطة، بل يبرر لها.

عند فرويد، الضمير يقول للإنسان: هذا خطأ، لا تفعله.

أما عند حكومة الأمل، فيبدو أن الضمير يقول: «القرار صحيح أخلاقياً… بعد صدور القرار».

 

الأخلاق حسب مقتضى المرحلة، والقاعدة بسيطة:

 

إذا وافق المواطن، فهذا دليل على الوعي.

 

وإذا اعترض، فهو يحتاج إلى مزيد من الوعي.

 

وإذا سأل عن الأسباب، فهناك «ظروف استثنائية».

 

وإذا أصر على السؤال، فالأمر أصبح «مصلحة عامة».

 

وهنا يكتشف المواطن أن السوبر إيغو الحكومي لا يعاني من عقدة الذنب التي تحدث عنها فرويد؛ بل يعاني من ثقة زائدة في قدرته على تفسير الذنب لصالحه.

 

فرويد تحدث عن صراع بين الهو والأنا والسوبر إيغو. أما عندنا، فقد حُسم الصراع مبكراً:

 

الهو يريد القرار، والأنا يبرره، والسوبر إيغو يكتب البيان الصحفي.

 

ثم تأتي الأخلاق متأخرة، تبحث عن مقعد في قاعة الاجتماع.

 

والأغرب أن كل قرار يجد لنفسه مبرراً أخلاقياً جاهزاً: المصلحة العامة، مقتضيات المرحلة، الظروف الاستثنائية، حماية المجتمع… كلمات كبيرة تستطيع أن تحمل فوق ظهرها أي قرار تقريباً.

 

المواطن، في هذه المسرحية، هو الشخص الوحيد المطلوب منه أن يمتلك ضميراً حياً.

 

أن يصبر. أن يتفهم. أن يثق. أن لا يسأل كثيراً.

 

أما الحكومة، فعليها فقط أن تطمئنه بأن كل شيء تحت السيطرة.

 

وهكذا يصبح الصمت فضيلة، والسؤال مشكلة، والاعتراض سوء فهم، والقرار الحكومي حقيقة أخلاقية بمجرد صدوره.

 

ولو سألنا فرويد عن هذه الحالة، فربما قال إننا أمام سوبر إيغو خرج من العقل الباطن، ودخل مكتب القرار.

 

والنتيجة؟

 

حكومة لا يزعجها تأنيب الضمير، لأن الضمير نفسه أصبح موظفاً لديها.

 

وهنا تنتهي الكوميديا وتبدأ المأساة:

 

حين يصبح من يملك السلطة هو نفسه من يعرّف الأخلاق، ويشرح المصلحة العامة، ويمنح نفسه شهادة حسن السلوك… يصبح السؤال الحقيقي ليس: ماذا قررت الحكومة؟

 

بل: من يراقب السوبر إيغو حين يصاب هو نفسه بالغرور؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.