وزارة الأحلام المؤجلة: محضر وفاة معلم على قيد الخدمة

محمد سراج محمد

في السودان، لم يعد السؤال: كيف ننهض بالتعليم؟ بل أصبح: كيف نُقنع المعلم بأن ما يحدث حوله اسمه تعليم؟
المعلم السوداني هو الموظف الوحيد الذي يُطلب منه أن يصنع أجيالًا للمستقبل، بينما الدولة تعامله وكأنه من مخلفات الماضي. مطلوب منه أن يكون مربيًا، ومهندسًا اجتماعيًا، وأخصائيًا نفسيًا، ومصلحًا للمناهج، وحارسًا للمدرسة، وأحيانًا موظف علاقات عامة… وكل ذلك بمرتب يستطيع بالكاد أن يقنع به فاتورة واحدة أنها جزء من حياته.
أما الحكومة، فتبدو في علاقتها بالمعلم كأنها تتبع نظرية سياسية جديدة: إذا تجاهلت المشكلة طويلًا، فقد يظن الجميع أنها ليست مشكلة أصلًا. وهكذا أصبح المعلم ينتظر حقوقه كما ينتظر المواطن السوداني مشروعًا حكوميًا يكتمل في موعده: بالصبر، والدعاء، وبعض النكات حتى لا تتحول المأساة إلى اكتئاب جماعي.
المرتب يأتي متأخرًا، ضعيفًا، خجولًا، ثم يختفي بسرعة مذهلة؛ وكأنه يخشى أن تراه الحكومة فتطالبه بتفسير وجوده. وفي المقابل، يُطلب من المعلم أن يكون «رسولًا للعلم»؛ والمشكلة أن الرسول نفسه يحتاج إلى من يرسل إليه بعض المال!
أما المدرسة، فهذه قصة أخرى. هناك مدارس تحتاج إلى معلم قبل أن تحتاج إلى طالب، وإلى سقف قبل أن تحتاج إلى سبورة، وإلى صيانة قبل أن تحتاج إلى حصة. ومع ذلك، تستمر الخطب الرسمية في الحديث عن «بيئة تعليمية جاذبة»، وكأن الجاذبية المقصودة هي قدرة الطالب على جذب الهواء من نافذة مكسورة!
ثم نأتي إلى المناهج؛ تلك التحف الأثرية التي يبدو أنها نجت من عدة عهود سياسية، وربما كانت تنتظر منذ سنوات أن يكتشفها متحف التاريخ. العالم يتحدث عن البرمجة والروبوتات والذكاء الاصطناعي، بينما بعض مقرراتنا لا تزال تتصرف وكأن الهاتف المحمول اختراع لم يصل السودان بعد.
والكتاب المدرسي؟ مشروع وطني عظيم اسمه «ابحث عنه إن استطعت». الطالب يسأل عن الكتاب، والمعلم يسأل الوزارة، والوزارة تسأل الإدارات، والإدارات تسأل المخازن، والمخازن ــ إن تكلمت ــ ستقول: «راجعنا العام القادم».
أما تدريب المعلمين وتجديد مهاراتهم، فقد أصبح من عجائب التعليم السوداني. المؤتمرات تتحدث عن التطوير، والخطط تتحدث عن التحديث، والتصريحات تتحدث عن المستقبل، بينما المعلم ينتظر دورة تدريبية قد تصل إليه بعد أن يصبح ما تعلمه في الجامعة مادةً للتاريخ!
والوزارة نفسها تبدو أحيانًا كأنها اكتشفت سرًا خطيرًا: أن التربية والتعليم ليستا مهمتها الوحيدة! فتتسع قائمة الانشغالات، وتتعدد الملفات، ويضيق الوقت عن القضية التي تحملها الوزارة في اسمها. وكأن التعليم طفلٌ متروك في غرفة الانتظار، بينما الكبار منشغلون بمناقشة أمور أكثر أهمية… بالنسبة إليهم على الأقل.
يا سادة، لا يمكن بناء تعليم حديث بعقلية إدارة أزمة دائمة. ولا يمكن مطالبة المعلم بصناعة المستقبل بينما يُترك هو نفسه يصارع الحاضر. ولا يمكن أن نرفع شعار «بناء الإنسان» ونحن نعجز عن توفير الكتاب والمقعد والبيئة المناسبة والتدريب والراتب الذي يحفظ للمعلم كرامته.
لقد نجحنا، على ما يبدو، في تحويل التعليم إلى مسرح سياسي طويل: الحكومة تلقي الخطب، الوزارة تكتب الخطط، المعلم يؤدي الدور البطولي، والطالب ينتظر نهاية العرض. لكن المأساة أن الستار لا يسقط. فالجيل الذي يتلقى تعليمًا متعثرًا اليوم هو نفسه الذي سيحمل السودان غدًا. وإذا ظل المعلم آخر من نتذكره عند توزيع الاهتمام والموارد، فقد يأتي يوم لا نجد فيه من يعلّم أبناءنا معنى «المستقبل»؛ لأننا سنكون قد أمضينا سنوات طويلة في إدارة الماضي. وحينها، ربما تصدر الوزارة بيانًا رسميًا يقول إن التعليم بخير، وإن كل شيء تحت السيطرة… فقط نحتاج إلى مزيد من الصبر، ومزيد من الخطط، ومزيد من المؤتمرات، وقليل جدًا من التعليم.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.