تكامل المسارات وتحولات الشرعية: قراءة في أبعاد اجتماع نيويورك ومستقبل السلام في السودان
أشرف عبدالعزيز
يشكل الاجتماع المشترك الأول بين مجموعتي الرباعية والخماسية في نيويورك تحولاً استراتيجياً فارقاً في مسار التعاطي الدولي والإقليمي مع الأزمة السودانية المنتفخة بالفوضى والمأساة الإنسانية.
لم يكن هذا اللقاء مجرد منصة دبلوماسية عابرة، بل جاء استجابة ملموسة لضرورة إنهاء حالة التشرذم في المبادرات الخارجية، والتي طالما استغلها طرفا الصراع للمناورة وإطالة أمد الحرب. وتستمد هذه الخطوة أهميتها الاستثنائية من توقيتها والديناميات السياسية الجديدة المرافقة لها، وعلى رأسها الموقف الأمريكي الحاسم بعدم الاعتراف بشرعية قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وقائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي”، مما يضع الأزمة أمام معطيات جديدة تجرد طرفي النزاع من أوراق المناورة بالشرعية القائمة على الأمر الواقع وتجبرهما على مواجهة استحقاقات السلام الشامل.
تتجلى الأهمية الجوهرية لهذا الاجتماع في تبنيه منهجية العمل الموازي والتكامل العملياتي بين المسارات السياسية والأمنية والإنسانية، وهو ما كان يفتقده المشهد السابق. إن الدعوة إلى ربط وقف الأعمال العدائية بالهدنة الإنسانية وبدء حوار مدني شامل ترسم خارطة طريق واقعية تبدأ من إنقاذ أرواح المدنيين وحمايتهم والتحضير لآليات مراقبة وتحقق دولية صارمة، وصولاً إلى استعادة النظام الدستوري.
هذا التوجه المدعوم بصرامة من الاتحاد الأفريقي والولايات المتحدة يبعث برسالة قاطعة مفادها أنه لا يوجد حتمياً أي حل عسكري للصراع، وأن الحفاظ على وحدة السودان وسيادته يتطلب تجريد طرفي النزاع من الحسابات الصفرية، وقطع الدعم العسكري الخارجي الذي يغذي آلة الحرب ويساهم في تفتيت الدولة.
من جانب آخر، يعزز الموقف الدولي والأمريكي الأخير الرافض لشرعنة السلاح موقع القوى المدنية والمجتمعية السودانية، باعتبارها الفاعل الأصيل والمستحق لملكية العملية السياسية وقيادتها. إذ إن تجريد أمراء الحرب من الشرعية المكتسبة بقوة البندقية أو عبر الانقلابات العسكرية يعيد الاعتبار لإرادة الشعب السوداني ولتطلعات ثورة ديسمبر المجيدة، وهو ما تجاوبت معه القوى الوطنية مثل تحالف “صمود” بوضوح من خلال التأكيد على أن الشرعية الحقيقية تُصنع بالانتقال المدني الديمقراطي لا بفرض الأمر الواقع.
إن توحيد الرؤى بين الخماسية والرباعية للضغط باتجاه فتح المجال للمكونات المدنية وتوحيد صفوفها يضع الأساس القوي لمنع استئثار السلاح بالمستقبل السياسي للبلاد. إن الانتقال المنشود الذي دعا إليه الاجتماع، من مجرد التقارب في الرؤى إلى التنسيق المنهجي والعملياتي المنتظم بين الفرق الفنية، يمثل الضمانة الفعالة لتحويل المقررات الدبلوماسية إلى واقع ملموس على الأرض. يظل المخرج الوحيد للأزمة السودانية مرهوناً بمدى التزام المجتمع الدولي بتطبيق هذه الخارطة وتضييق الخناق على التدخلات الخارجية الهدامة، بالتوازي مع استجابة طرفي الحرب للنداءات الإنسانية دون شروط مسبقة.
إن تلاقي التوافق الدولي والإقليمي مع الإرادة الشعبية والمدنية للسودانيين يضع حرب السودان أمام منعطف فاصل، إما الاستجابة لموجبات السلام وإعادة بناء الدولة على أسس مدنية وعادلة، أو مواجهة العزلة الشاملة وفقدان الشرعية بجميع أشكالها.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.