د.حمدوك… الرجل الذي تجاوز شخصه

 الصادق حمدين

 

من أكثر سذاجات وحماقات الكيزان السياسة ومحدودية سقفهم العقلي أن يختزلوا المشروع الوطني في شخص، ومن أكثر أخطائهم شيوعاً أن يُظنوا أن إسقاط رجل من المشهد السياسي يعني إسقاط الفكرة التي ارتبط بها، أو إطفاء الحلم الذي آمن به الشعب وضحى من أجله كثيراً.

 

ولهذا فإن مهاجمة الدكتور عبد الله حمدوك باعتباره مجرد شخص عابر، ومحاولة اختزال تجربته في عمره السياسي أو في حدود حضوره الفردي، يكشف عن عطب إدراكي عميق، وإعاقة فكرية مزمنة، وقراءة رغبوية قاصرة لطبيعة التحولات الكبرى التي راكمتها التجارب المريرة التي مرّ بها الشعب السوداني وما يزال.

 

فحمدوك، بالنسبة إلى قطاع كبير من السودانيين إن لم أقل الغالبية الساحقة منهم، لم يعد مجرد رجل شغل منصب رئيس الوزراء، ثم غادره بخيانة العميل عبد الفتاح البرهان لصالح منظومة الشر، بل أصبح اسماً ارتبط بمجموعة من التطلعات التي تتجاوز شخصه: الدولة المدنية، واستقلال القرار الوطني، وبناء المؤسسات الوطنية، والإصلاح الاقتصادي، والتحول المدني الديمقراطي، وإنهاء هيمنة العسكر على الدولة.

 

وهنا تكمن الحقيقة التي ينبغي ألا تغيب: الأشخاص زائلون، لكن أفكارهم التي تحولت إلى وعي شعبي لا تموت برحيلهم أو اعتزالهم العمل العام.

 

فالحكومة المدنية لم تكن حلماً صنعه عبد الله حمدوك وحده، والديمقراطية لم تكن مشروعه الخاص، والدولة التي تحكمها المؤسسات والقانون ليست ملكاً حصرياً له حتى تنتهي باختفائه من المشهد. إنها تطلعات أوسع، نشأت من معاناة طويلة، ومن رغبة عميقة لدى السودانيين في بناء وطن تكون فيه الدولة ملكاً لمواطنيها، لا ساحة لهيمنة الأفراد الحالمون والمهووسون بالسلطة والجماعات التي لا ترى الحياة إلا انعكاساً لذاتها الخربة.

 

لذلك فإن تحويل القضية إلى معركة ضد حمدوك وشيطنته كشخص يبتعد عن جوهر المسألة.

 

القضية الحقيقية ليست: هل يبقى حمدوك أم يرحل؟

 

القضية هي: هل يبقى حلم السودانيين في دولة مدنية ديمقراطية؟ هل يبقى مطلب القرار الوطني المستقل؟ هل تبقى المؤسسات أقوى من الأشخاص؟ وهل يصبح الاقتصاد وسيلة لبناء حياة كريمة، لا أداة لإفقار المواطن وإخضاعه؟

 

هذه الأسئلة لا تنتهي بانتهاء عمر سياسي، ولا تسقط بسقوط تجربة، ولا يمكن دفنها مع أصحابها.

 

فالتاريخ لا يحتفظ بالرجال فقط، بل يحتفظ بالأفكار التي غيّرت وعي الشعوب. قد يغيب القائد، وقد تتغير الوجوه، وقد تتعثر المسارات، لكن الفكرة التي وجدت طريقها إلى وجدان الناس تستطيع أن تعود بأسماء جديدة، ووجوه جديدة، وأجيال جديدة.

 

ولهذا، فإن قيمة حمدوك السياسية، بالنسبة إلى من يرون فيه رمزاً لهذا المسار، لا تكمن في شخصه وحده، وإنما في ما أصبح يمثله في الوعي العام من إمكانية مختلفة: دولة مدنية، ومؤسسات مدنية مستقلة، وقرار سياسي وطني، واقتصاد أكثر عدلاً وإنصافا، وانتقال ديمقراطي يجعل السلطة تفويضاً شعبياً لا امتيازاً دائماً لحكم العسكر البغيض.

 

وفي نهاية المطاف، حمدوك مثل كل السياسيين: إنسان عابر في زمن طويل.

 

أما الحلم الذي ارتبط به، فهو أكبر من عمره، وأوسع من شخصه، وأبقى من منصبه.

 

فالرجال يرحلون، والمناصب تنتهي، والوجوه تتغير… لكن حلم الشعب في وطن ديمقراطي معافى لا يموت برحيل أصحابه.

 

وهذه هي النقطة التي ينبغي أن يفهمها من يظنون أن مهاجمة الأشخاص يمكن أن تهزم الأفكار: قد يسقط الرمز، لكن ما لم تسقط الفكرة من وجدان الناس، فإن الطريق إليها يظل مفتوحاً.

 

والرموز قد تتغير، أما الحلم الذي صنعت رمزيّتها فلا يموت بالضرورة برحيلها.

 

حمدوك- أمد الله في أيامه – قد يرحل شأنه شأن كل البشر… أما الحلم بوطن خيّر ديمقراطي، فلا ينبغي أن يرحل معه لأن أحلام الشعوب لابد لها أن تتحقق فلم يسجل التاريخ حتى الآن هزيمة شعب.*

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.