لم تندلع احتجاجات مدينة القضارف شرقي السودان في سبتمبر الجاري من فراغ، ولم تكن مجرد رد فعل عابر على ارتفاع سعر سلعة بعينها. فما شهدته المدينة الزراعية الكبرى في البلاد، المعروفة بـ«قضارف الخير»، يعكس تراكم أزمة معيشية تصاعدت خلال الفترة الأخيرة، وضغطت على الأسر من اتجاهات عدة، أبرزها ارتفاع أسعار الغذاء، وتراجع القوة الشرائية للجنيه، وارتفاع سعر الدولار، وزيادة تكاليف النقل والوقود، فضلاً عن تراجع قدرة المواطنين على تأمين احتياجاتهم اليومية الأساسية.
وأغلق محتجون، في 20 سبتمبر، طريقاً رئيسياً بالإطارات المشتعلة، مرددين هتافات احتجاجاً على تدهور الأوضاع المعيشية وارتفاع الأسعار، في مشهد عكس حجم الضغوط الاقتصادية التي باتت تواجه سكان المدينة.
وجاءت الاحتجاجات في وقت تشهد فيه أسواق القضارف موجة متصاعدة من الغلاء، ما يطرح سؤالاً رئيسياً: هل كان ارتفاع الأسعار الشرارة المباشرة للاحتجاج، أم أن ما حدث هو نتيجة تراكم طويل لأزمة اقتصادية ومعيشية تفاقمت بفعل الحرب؟
القضارف، التي تُعد من الولايات الزراعية المهمة في السودان، تبدو اليوم وكأنها تدفع ثمن أزمة اقتصادية تتجاوز حدود الولاية. فالمشكلة التي دفعت المواطنين إلى الشوارع لا تتمثل في ارتفاع الأسعار وحده، وإنما في الفجوة المتسعة بين الدخول وتكلفة المعيشة.
وبحسب شهادات نقلتها تقارير صحفية، بلغ سعر ثلاثة أرغفة نحو ألف جنيه، فيما وصل سعر طبق سلطة بسيط إلى 10 آلاف جنيه، وارتفع سعر لتر الزيت من 15 ألفاً إلى 30 ألف جنيه. كما تضاعف سعر جردل البطاطس الصغير من 5 آلاف إلى 10 آلاف جنيه.
ولم تتوقف موجة الغلاء عند المواد الغذائية. فقد ارتفع سعر جوال الأسمنت، وفق شهادات محلية، من 60 ألفاً إلى 110 آلاف جنيه، بينما زادت تعرفة بعض خطوط المواصلات داخل المدينة من ألفي جنيه إلى ثلاثة آلاف، وقفزت تكلفة ترحيل التلاميذ شهرياً من 250 ألفاً إلى 400 ألف جنيه.
وتزامنت هذه الزيادات مع شكاوى من أزمة في المياه وتذبذب إمدادات الكهرباء، ما ضاعف الضغوط على الأسر التي تواجه أصلاً تراجعاً مستمراً في قدرتها الشرائية.
الدولار في قلب الأزمة
يُعد سعر الصرف أحد المفاتيح الرئيسية لفهم ما حدث في القضارف خلال سبتمبر. فالاقتصاد السوداني يعمل وسط فجوة كبيرة بين قيمة الجنيه وتكاليف الاستيراد والنقل والإنتاج، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على أسعار السلع والخدمات.
وفي يونيو الماضي، بلغ معدل التضخم السنوي في السودان 51.28%، مقارنة بـ44.50% في مايو، بينما سجلت مجموعة الأغذية والمشروبات ارتفاعاً شهرياً بلغ 8.39%. كما يمثل الغذاء والمشروبات 52.89% من إنفاق الأسر السودانية، ما يجعل أي زيادة في أسعار الطعام ذات أثر مباشر على حياة المواطنين.
وفي سبتمبر، استمرت الضغوط على العملة والأسواق، كما رفعت السلطات سعر الدولار الجمركي بنسبة 8.89%، من 3,960.24 إلى 4,346.65 جنيهاً. وانعكست الزيادة على تكلفة السلع المستوردة، بما فيها الأغذية والأدوية والوقود وقطع الغيار.
وهكذا يجد المواطن نفسه أمام معادلة قاسية: الجنيه يفقد قيمته، والتاجر يرفع سعر السلعة تحسباً لارتفاع تكلفة إعادة شراء مخزونه، بينما لا ترتفع دخول الموظفين والعمال بالوتيرة نفسها.
وتشير تقارير من أسواق القضارف إلى أن عدم استقرار سعر الصرف دفع بعض التجار إلى التردد في البيع أو تقليص مخزوناتهم، خشية ارتفاع تكلفة إعادة الشراء، وهو ما يزيد بدوره من حالة الاضطراب في الأسواق.
من أزمة اقتصادية إلى أزمة ثقة
في المقابل، تقول حكومة بورتسودان إنها تعمل على معالجة أزمة سعر الصرف وضبط الأسواق. وكان وزير المالية جبريل إبراهيم قد أعلن في يونيو أن الأوضاع الاقتصادية تحت السيطرة، وأن إجراءات الحكومة والبنك المركزي ستنعكس على أسعار الوقود والسلع الاستراتيجية.
كما أعلنت وزارة المالية في بورتسودان جهوداً لتوفير النقد الأجنبي لاستيراد الوقود والأدوية والقمح ومدخلات الإنتاج.
لكن المشكلة بالنسبة للمواطن لا تُقاس بما تعلنه حكومة بورتسودان، وإنما بما يستطيع شراءه من السوق. وهنا تتسع الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع اليومي؛ فمع استمرار موجة الغلاء حتى موعد الاحتجاجات، ظلت الأسر تواجه ارتفاعات متتالية في أسعار الغذاء والمواصلات والخدمات.
ومن هنا، تحمل احتجاجات القضارف، إلى جانب مطالبها الاقتصادية، مؤشراً على تراجع الثقة في قدرة حكومة بورتسودان على إدارة الأزمة المعيشية. فالمواطن الذي يسمع عن إجراءات اقتصادية، بينما يرى أسعار الخبز والزيت والذرة والمواصلات ترتفع بصورة متواصلة، قد لا يرى في السياسات المعلنة حلولاً ملموسة لأزمته اليومية.
الجوع هو العنوان الأوسع
لا يمكن فصل احتجاجات القضارف عن المشهد الإنساني الأوسع في البلاد قاطبة. فقد قدرت خطة الاحتياجات والاستجابة الإنسانية للأمم المتحدة لعام 2026 عدد المحتاجين إلى المساعدات الإنسانية بنحو 33.7 مليون شخص، أي أكثر من ثلثي سكان البلاد، فيما يحتاج نحو 28.9 مليون شخص إلى مساعدات غذائية.
وتعني هذه الأرقام أن ارتفاع الأسعار لم يعد مجرد قضية اقتصادية، بل تحول إلى أزمة مرتبطة بالأمن الغذائي وقدرة الأسر على البقاء. وفي بلد فقدت فيه ملايين الأسر مصادر دخلها بسبب الحرب، تصبح زيادة سعر سلعة أساسية ببضعة آلاف من الجنيهات كافية لدفع الأسرة إلى تقليل وجباتها أو الاستغناء عن احتياجات أخرى، مثل العلاج والتعليم والمواصلات.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة احتجاجات القضارف باعتبارها تعبيراً عن أزمة غذاء ومعيشة قبل أن تكون احتجاجاً على الأسعار. فالأسعار هي الوجه الظاهر للأزمة، بينما يكمن جوهرها في تآكل القدرة على شراء الطعام، ليس في القضارف فحسب، بل في جميع أنحاء البلاد.
ماذا تقول احتجاجات القضارف؟
المفارقة أن القضارف، رغم أهميتها الزراعية، ليست بمنأى عن أزمة الغذاء. فالمدينة تعاني ارتفاع تكلفة النقل والإنتاج والخدمات، فيما تتأثر الأسواق بتذبذب سعر الصرف واضطراب سلاسل الإمداد.
ولهذا فإن السؤال الذي فرضته احتجاجات سبتمبر لا يتعلق فقط بسبب ارتفاع سعر الزيت أو الخبز، وإنما بكيفية إدارة الاقتصاد في ظل الحرب. فاستمرار القتال، وتراجع قيمة العملة، وارتفاع تكاليف الاستيراد والنقل، وضعف الرقابة على الأسواق، كلها عوامل تتراكم فوق بعضها، بينما يتحمل المواطن الجزء الأكبر من كلفتها.
وبينما تطالب لجان المقاومة بالحفاظ على سلمية الاحتجاجات، وتحذر من استخدام العنف أو الملاحقات الأمنية، فإن استمرار الأزمة قد يوسع نطاق الاحتجاجات المعيشية إذا لم تظهر إجراءات قادرة على تخفيف الضغوط بصورة ملموسة.
في الواقع، تبدو رسالة احتجاجات القضارف واضحة: حين يصبح الخبز أغلى من قدرة الأسرة، ويتضاعف سعر الزيت، وترتفع تكلفة المواصلات، ويتراجع الجنيه أمام الدولار، يتحول الغلاء من مشكلة اقتصادية إلى غضب اجتماعي.
والتحدي أمام حكومة بورتسودان، بقيادة رئيس مجلس السيادة في حكومة بورتسودان، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ورئيس الوزراء كامل إدريس، لم يعد يقتصر على السيطرة على سعر الصرف أو إصدار القرارات الاقتصادية، وإنما يمتد إلى قدرتها على حماية القدرة الشرائية للمواطن، وضمان حصوله على الغذاء والدواء والتعليم والخدمات الأساسية.
فالمواطن لا يعيش على البيانات الرسمية، بل على ما يستطيع شراءه من السوق.
وتشير احتجاجات القضارف التي اندلعت في 20 سبتمبر 2026 إلى أن كلفة الحرب لم تعد تُدفع بالدم والتهجير وحدهما؛ بل يدفعها المواطن أيضاً من قوته اليومي، ومن مائدة أسرته، ومن قدرته على الاستمرار.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.