ما الذي ينتظره الإسلاميون في السودان أكثر من الفشل؟

نورا عثمان

بعد أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب، لا نقول من يملك القدرة على مواصلة القتال؟ بل  إلى متى يمكن لأي مشروع سياسي أن يواصل تجاهل كلفة الحرب على الدولة والمجتمع والاقتصاد؟

وفي قلب هذا السؤال يبرز الجدل حول دور الإسلاميين، ولا سيما الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني المحلول، في المشهد السياسي والعسكري الراهن. فهناك قوى سياسية ومدنية سودانية تطالب باستبعاد المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية من العملية السياسية المقبلة، وتربط ذلك بما تعتبره إرثاً سياسياً ومؤسسياً للحكم السابق. وفي يونيو 2026، أعلنت قوى مدنية ضمن تحالف «صمود» رفضها مشاركة المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية في أي عملية سياسية مستقبلية، بينما عارض آخرون، بينهم مني أركو مناوي، سياسة الإقصاء السياسي. لكن بعيداً عن الشعارات، فإن السؤال الأهم هو: ماذا أنتجت السنوات الأخيرة من استمرار الحرب والرهان على القوة؟

الاقتصاد السوداني ينهار تحت ضغط الحرب. فقد أفادت رويترز في 22 سبتمبر 2026 بأن الجنيه السوداني فقد قرابة نصف قيمته منذ بداية الصيف في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش، ووصل سعر الدولار في السوق الموازية إلى نحو 7,500 جنيه، مقارنة بنحو 4,100 جنيه في مايو. وأدى تدهور العملة إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية وتفاقم الضغوط على الأسر.

وفي الوقت ذاته، حذرت الأمم المتحدة من أن ما وصفته بـ«اقتصاد الحرب» أصبح عاملاً يساعد على استمرار النزاع، مع اعتماد أطراف الحرب على السيطرة على الأراضي وطرق التجارة والسلع والموارد لتوفير الإيرادات اللازمة للعمليات العسكرية. هذه ليست مجرد أزمة مالية. إنها أزمة دولة.

كان مشروع الإسلاميين في السودان، خلال عهد نظام عمر البشير، قائماً على بناء شبكة واسعة من النفوذ داخل مؤسسات الدولة والمجتمع والاقتصاد. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: إذا كانت الحرب قد أنتجت كل هذا الخراب، فهل يمكن إعادة إنتاج النموذج السياسي القديم بالوسائل نفسها؟ الإجابة على هذا السؤال ليست قراراً تحريرياً أو حكماً مسبقاً، وإنما قضية سياسية محل صراع داخل السودان نفسه.

فالجيش السوداني ينفي ارتباطه التنظيمي بالأحزاب السياسية، بما فيها المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية. وفي مارس 2026، نفى عبد الفتاح البرهان وجود صلات بين القوات المسلحة وتلك التنظيمات. وفي المقابل، توجد قوى سياسية سودانية تتهم الإسلاميين بالسعي للحفاظ على نفوذهم داخل الدولة والمؤسسات، وتطالب بتفكيك ما تعتبره إرثاً للمؤتمر الوطني. وبين الروايتين، تظل الوقائع الموثقة هي المعيار الذي ينبغي أن يُبنى عليه أي تقييم.

حتى لو وضعنا جانباً كل الاتهامات السياسية المتبادلة، هناك حقيقة يصعب تجاوزها: السودان اليوم أفقر، وأكثر انقساماً، وأكثر نزوحاً، وأشد حاجة إلى المساعدات، وأضعف اقتصادياً مما كان عليه قبل الحرب. والأمم المتحدة تقول إن اقتصاد الحرب نفسه أصبح جزءاً من آلية استمرار النزاع، فيما تشير رويترز إلى أن الانقسام الاقتصادي بين مناطق السيطرة أفقد الدولة جزءاً مهماً من مواردها، وأن بعض الإنتاج في مناطق سيطرة الجيش بات موجهاً إلى احتياجات مرتبطة بالحرب بدلاً من المالية العامة. فإذا كان استمرار الحرب يؤدي إلى مزيد من انهيار العملة، وارتفاع الأسعار، وتعطيل الإنتاج، وتوسيع الفقر والنزوح، فإن السؤال يصبح مشروعاً: ما الذي يمكن أن تكسبه أي قوة سياسية من دولة تزداد إنهاكاً كل يوم؟

من الواضح أن هناك تيارات سودانية لا تزال ترى أن المعادلة السياسية المقبلة يجب ألا تتجاهل الإسلاميين، بينما ترى قوى أخرى أن عودتهم إلى العملية السياسية ستعيد إنتاج أسباب الأزمة. وفي أغسطس الماضي، رفضت قوى مدنية وسياسية سودانية مبادرة أعلنها البرهان للحوار الداخلي، وقدمت بدلاً منها تصوراً لمسار سياسي يرتكز على قوى مدنية مناهضة للحرب. لكن المشهد نفسه أكثر تعقيداً من ثنائية «مع الإسلاميين أو ضدهم».

ففي سبتمبر 2026، دخل حزب المؤتمر الشعبي، وهو حزب إسلامي تاريخياً، في محادثات مع حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور حول توسيع الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب ودعم مسارات السلام المدنية. وهذا التطور وحده يوضح أن الخريطة السياسية السودانية ليست ثابتة، وأن التحالفات والمواقف تتغير مع تطورات الحرب والبحث عن تسوية.

المشكلة الأساسية ليست أن تياراً سياسياً فشل في إقناع خصومه. الفشل الحقيقي هو أن السودان نفسه يدفع ثمن الصراع. المواطن الذي فقد منزله لا تعنيه كثيراً المعارك الأيديولوجية. والمعلم الذي ينتظر راتبه، والمزارع الذي فقد أرضه، والتاجر الذي يواجه انهيار العملة، والطفل الذي يبحث عن وجبة أو مدرسة، جميعهم يريدون إجابة عن سؤال واحد: متى تنتهي الحرب؟ إن تحويل الدولة إلى ساحة صراع مفتوحة بين المشاريع السياسية والعسكرية لا يمكن أن يكون بديلاً عن بناء دولة مدنية قادرة على حماية مواطنيها وإدارة مواردها ومحاسبة منتهكي القانون، أياً كانت مواقعهم أو انتماءاتهم.

ربما يكون الدرس الأهم الذي ينبغي أن تتعلمه جميع القوى السياسية السودانية هو أن الدولة ليست غنيمة سياسية. لا الجيش يستطيع وحده بناء الاستقرار. ولا الحركة الإسلامية تستطيع استعادة نفوذ سياسي بمجرد الرهان على استمرار الأزمة. ولا أي حزب مدني يستطيع بناء دولة فوق أنقاض حرب مستمرة. المستقبل السياسي للسودان ينبغي أن يُحسم عبر عملية سياسية ذات مصداقية، تضمن مشاركة السودانيين، وتحاسب على الانتهاكات، وتضع حداً لاستخدام السلاح وسيلة للوصول إلى السلطة أو الاحتفاظ بها.

السؤال الذي يجب أن يُطرح على الإسلاميين، وعلى الجيش، وعلى الدعم السريع، وعلى القوى المدنية جميعاً ليس: من سينتصر؟ بل: ماذا سيبقى من السودان إذا استمر الجميع في البحث عن الانتصار بينما ينهار الوطن؟ فربما يكون الفشل الأكبر ليس فشل تيار سياسي بعينه، وإنما فشل جميع مشاريع القوة في حماية دولة يدفع شعبها ثمن الحرب من أمنه وغذائه ومستقبله.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.