الأوضاع الاقتصادية في السودان.. بين غضب الشارع وتبريرات الحكومة

تيسير المبارك

يمر السودان اليوم بأزمة معيشية واقتصادية هي الأشد ضراوة في تاريخه الحديث، ألقَت بظلالها الثقيلة على تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين؛ حيث توالى الانهيار الحاد في قيمة الجنيه السوداني وارتفعت الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة. هذا الواقع المأزوم لم يعد مجرد أرقام في التقارير الاقتصادية، بل تحول إلى طوفان من الغضب الشعبي تجسد في الاحتجاجات والإضرابات التي شهدتها مدن عدة، مثل القضارف وعطبرة، حيث خرج المواطنون والتجار يطالبون بتخفيف الأعباء المعيشية والحد من الرسوم والضرائب التي خنقت النشاط التجاري والقدرة الشرائية.
وفي مقابل هذا الغضب الجماهيري المتصاعد، تتسع الفجوة يومياً بين الشارع والخطاب الرسمي؛ ففي الوقت الذي تميل فيه السلطة الحاكمة إلى تقديم الأزمة باعتبارها امتداداً طبيعياً لظروف الحرب والمضاربات المالية، تكشف مؤشرات السوق الواقعية عن انكماش اقتصادي وتدهور هيكلي يتجاوز بمراحل هذه التبريرات السياسية المعلبة. فالواقع يفند محاولات حصر المشكلة في شماعات خارجية أو شماعات المخططات، ليعكس أزمة إدارة وسياسات غائبة.
من جانب آخر، يُلاحظ في خضم هذه الأزمة تداول أنباء وتقارير عن حشود ومظاهرات مدفوعة الأجر تُساق لمساندة أطراف سياسية أو العسكر. وهنا تبرز أهمية الفصل التام بين هذا التجييش السياسي المصنوع وبين الغضب الشعبي العفوي؛ فالاحتجاج المعيشي الحقيقي ينبع من المعاناة اليومية الصادقة للمواطن الذي يجاهد لتوفير جلبة العيش لأسرته، ولا يمكن اختزاله أو تقزيمه في أجندات سياسية أو صراعات على السلطة والمال.
إن عمق الأزمة الهيكلية في السودان يتجاوز بكثير أثر أي تحشيد أو استقطاب؛ فالاقتصاد الوطني يواجه تراجعاً حاداً في العملية الإنتاجية، وانهياراً في البنية التحتية، وانعداماً للأمن الغذائي بات يهدد ملايين المواطنين، في ظل توجيه الجزء الأكبر من موارد الدولة المتبقية لنفقات المعارك الشرسة بدلاً من التنمية والرعاية الاجتماعية. هذه الحرب أكلت الأخضر واليابس وتطال آثارها الكارثية جميع الفئات والطبقات دون استثناء، ولا يمكن تقليل المشهد أو اختزاله في صراع مع جهة سياسية بعينها كالإسلاميين، فالغلاء والانهيار يستهدفان الجميع بلا تمييز.
يظل المواطن السوداني هو الضحية الأساسية والوحيدة لهذه المحرقة الممتدة؛ فهو من يدفع الكلفة الأكبر للانهيار الحاصل في قطاعات الغذاء والصحة والتعليم. ولن يُجدي نفعاً محاولة علاج هذه المأساة بالشعارات البراقة أو بالبروباغندا الإعلامية والحشود المدفوعة. إن المعاناة الاقتصادية تتطلب مواجهة حقيقية تبدأ عبر إقرار سياسات اقتصادية ناجعة، واستعادة عافية الإنتاج، وقبل هذا وذاك: إيقاف هذه الحرب فوراً باعتبارها الاستنزاف الأكبر لموارد البلاد ومستقبل أجيالها.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.