المليونية ثورة.. لا حشد

فاطمة علي سعيد

الكيزان غيّروا الوجوه وبدّلوا الشعارات، لكن لعبة الحشد لم تتغيّر!

لم يكن مشهد الحشود التي خرجت يوم الجمعة مفاجئاً لمن يعرف تاريخ السودان جيداً. الصورة بدت مألوفة إلى حدٍّ مؤلم: جموع كبيرة، هتافات تتعالى، ومشهد جماهيري يُراد له أن يقول إن «الشعب معكم».

مشهد أعاد إلى الأذهان الحشود المأجورة التي ظل نظام الإنقاذ والحركة الإسلامية يوظفانها طويلاً لإنتاج صورة التأييد الشعبي، وإظهار السلطة وكأنها تحظى بتفويض جماهيري واسع.

لكن هنا يجب أن نفرّق جيداً بين المليونية التي يصنعها الشارع بإرادته، والحشد الذي تصنعه السلطة لخدمة أجندتها.

فالمليونية في السودان لم تكن يوماً مجرد تجمع بشري. كانت، في محطات مفصلية، تعبيراً عن غضب شعبي، وصوتاً في مواجهة القمع والاستبداد، ومساحة يعلن فيها المواطن موقفه بإرادته، لا بتوجيه من سلطة أو حزب.

المليونية ثورة.. وليست تعبئة.

والفرق كبير بين شعب يخرج لأنه يريد التغيير، وبين جهة سياسية تحشد الناس لتصنع صورة التأييد.

المشكلة ليست في خروج الناس إلى الشوارع؛ فالاحتشاد حق، والتعبير حق، والتظاهر السلمي حق. المشكلة تبدأ عندما تتحول الجماهير إلى ديكور سياسي، وعندما يصبح عدد الواقفين في الساحة بديلاً عن الشرعية السياسية، وكأن كثرة الأجساد تستطيع أن تحسم ما يجب أن تحسمه المؤسسات وصناديق الاقتراع.

لقد عرف السودانيون هذا الأسلوب من قبل: حشود، شعارات، منصات، وصور تُقدَّم للرأي العام باعتبارها دليلاً على أن «الشعب كله هنا»، بينما كانت أصوات أخرى تُقصى وتُهمَّش، وكانت الدولة تُختزل في جماعة، والجماعة تُقدَّم باعتبارها الوطن.

الحشد ليس تفويضاً، والهتاف ليس انتخابات، وامتلاء الساحات لا يمنح أحداً صكاً بالحديث باسم ملايين السودانيين.

وبعد كل ما دفعه السودان من دم ودمار ونزوح وانهيار، فإن البلاد لا تحتاج إلى إعادة إنتاج أدوات الماضي بوجوه وشعارات جديدة. ما يحتاجه السودانيون هو وقف الحرب، وسلام حقيقي، ودولة قانون، ومؤسسات مدنية، ومسار سياسي يفتح الباب أمام مشاركة جميع السودانيين دون إقصاء أو تخوين.

والذين يريدون معرفة حجم التأييد الشعبي لأي مشروع، فإن الطريق الواضح هو الانتخابات الحرة والنزيهة، عندما تتهيأ شروط الدولة المدنية الديمقراطية؛ حيث لا تُقاس إرادة الشعب بحجم الحشد، وإنما بأصوات المواطنين داخل صندوق الاقتراع.

لقد دفع السودانيون ثمناً باهظاً لتحويل السياسة إلى معسكرات، والوطن إلى معادلة «معانا أو ضدنا». وكلما ارتفعت أصوات المطالبين بالسلام، عادت لغة الاستقطاب والتعبئة والتخوين لتقسّم السودانيين إلى معسكرات متناحرة.

لكن السودان تغيّر.

السوداني الذي فقد منزله، والنازحة التي تركت معسكرها، والأم التي تبحث عن دواء، والطفل الذي حُرم من مدرسته، والمعلم الذي ينتظر راتبه، لا تعنيه كثيراً صور الحشود بقدر ما يعنيه سؤال بسيط ومشروع:

متى تنتهي الحرب؟
متى تعود الدولة؟
ومتى يعيش المواطن السوداني بكرامة وأمان؟

ومن أراد إثبات شعبيته، فليحتكم إلى الشعب عندما تأتي لحظة الاختيار الحر، لا إلى الصور والهتافات.

أما استعراض الحشود أمام الكاميرات، فلا يصنع وحده شرعية، ولا يوقف حرباً، ولا يطعم جائعاً، ولا يعيد نازحاً إلى منزله.

السودان ليس ساحة استعراض جماهيري.. السودان وطن ينزف ويحتاج إلى السلام.

والسودانيون يعرفون جيداً الفرق بين الحشد الذي يُصنع من أعلى، والموجة الشعبية التي تصعد من الشارع.

فلا تخلطوا بين مليونيات الثورة وتعبئة الأنظمة. فالمليونية حين تكون صوتاً حراً للناس، ليست أداة تجميل للسلطة، ولا حملة علاقات عامة، ولا بديلاً عن الانتخابات.

المليونية ثورة تمشي على قدمين.. والتاريخ السوداني يعرف الفرق بين شعب يخرج بإرادته، وجماهير تُستدعى لتصفق للسلطة.

والسودانيون الذين كسروا حاجز الخوف مرة، قادرون على التمييز بين صوت الشعب الحقيقي.. والصورة التي تُصنع للكاميرات.

والثورة ثورة شعب: حرية، سلام، وعدالة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.