ليست مجتمعات الرعاة والرعي المختلط في دارفور وكردفان كتلا اجتماعية عابرة للتاريخ ولا مجرد قبائل متنقلة تعيش على هامش الدولة إنها مكون أصيل من مكونات السودان ارتبط وجوده بالأرض والموارد ومسارات الرعي والتجارة والعلاقات بين المجتمعات وكان حاضرا في التحولات الكبرى التي صنعت تاريخ البلاد ومع ذلك ظل حضورها السياسي والمؤسسي أقل بكثير من حضورها الديموغرافي والاجتماعي والأمني فعبر مراحل متعاقبة من تاريخ السودان من الثورة المهدية إلى الحكم الاستعماري ثم الدولة الوطنية والحروب اللاحقة جرى في أوقات مختلفة استدعاء قطاعات من هذه المجتمعات بوصفها موردا بشريا للحشد والقتال بينما بقي الاستثمار في تعليمها وخدماتها وتمثيلها السياسي محدودا وهنا تكمن المفارقة الكبرى المجتمع الذي يستدعى حين تحتاج الدولة إلى القوة قد لا يجد الدولة حين يحتاج إلى المدرسة والماء والصحة والسوق والطريق والتمثيل السياسي
فرضت البيئة القاسية ومسافات الحركة الطويلة وأنماط العيش المرتبطة بالرعي والزراعة المختلطة على هذه المجتمعات أشكالا عالية من القدرة على التكيف والتنقل وتحمل المخاطر لكن اختزال هذه الخصائص في الشراسة أو الاستعداد الفطري للعنف يسيء فهمها فالقدرة على حمل السلاح ليست صفة بيولوجية كما أن الانخراط في الحرب ليس قدرا اجتماعيا محتوما كثير من أنماط التعبئة المسلحة ارتبطت بظروف سياسية واقتصادية وأمنية محددة وبحاجة أطراف الدولة والصراع إلى قوى بشرية تستطيع الحركة والانتشار في بيئات واسعة وهكذا نشأت دائرة مدمرة يستدعى جزء من هذه المجتمعات إلى الحرب ثم ينظر إليه لاحقا من خلال صورة المقاتل تستخدم هذه الصورة لتبرير مزيد من الإقصاء ثم يؤدي الإقصاء بدوره إلى زيادة قابلية بعض الشباب للانخراط في شبكات العنف والتعبئة إن كسر هذه الدائرة يبدأ من تغيير السؤال نفسه ليس لماذا يقاتل الرعاة بل ما الظروف التي جعلت الحرب واحدة من القنوات القليلة المتاحة أمام بعض أبنائهم للحضور السياسي والاجتماعي
يظهر التهميش بوضوح في التعليم والخدمات الأساسية تعاني مجتمعات رعوية ومجتمعات رعي مختلط من محدودية الوصول إلى المدارس والخدمات الصحية والمياه والأسواق والخدمات البيطرية كما أن كثيرا من نماذج التعليم التقليدية لا تتوافق بصورة كافية مع أنماط الحركة الموسمية واحتياجات الأسر الرعوية والمشكلة لا تتعلق فقط بنقص الموارد بل أحيانا بطريقة تعريف المجتمع نفسه فحين يصبح معيار استحقاق الخدمة هو كون المكان قرية بالمعنى الإداري الضيق قد تحرم تجمعات مستقرة أو شبه مستقرة لعقود من خدمات يفترض أن ترتبط بعدد السكان وحاجاتهم لا بالتصنيف الإداري وحده وقد تحمل الدامرة أو غيرها من أنماط الاستقرار المحلي خصائص اجتماعية واقتصادية تجعلها بحاجة إلى استثمارات طويلة الأجل لا إلى تدخلات إنسانية مؤقتة فقط لذلك ينبغي أن ينتقل التفكير التنموي من ما اسم المكان إلى ما حاجة السكان
لا يعني نقد أداء المنظمات المدنية والإنسانية أن هذه المؤسسات لا تؤدي أدوارا مهمة في حماية المدنيين وتقديم الخدمات بل يعني أن أي تدخل تنموي أو إنساني يفقد جزءا من فعاليته حين لا يمتلك فهما كافيا للتنوع الاجتماعي والجغرافي والسياسي للمناطق التي يعمل فيها كما أن التمثيل المحلي داخل المؤسسات العاملة في مناطق النزاع قضية تستحق الدراسة والرقابة فإذا غابت الشفافية والتنوع وآليات المساءلة يمكن أن تتأثر أولويات البرامج بتصورات جزئية عن المجتمع أو أن تقرأ احتياجات مجموعة من السكان من خلال تجربة مجموعة أخرى والمطلوب هنا ليس استبدال رواية منحازة برواية منحازة مضادة وإنما بناء معيار مهني واحد حماية المدنيين والمساواة في الوصول إلى الخدمات والشفافية والتمثيل المتنوع والتحقق المستقل من المعلومات
من الخطأ أيضا تحويل قضية الرعاة إلى قضية أمنية فقط فالنزاعات في دارفور وكردفان تتداخل فيها ملكية الأرض ومسارات الرعي والمياه والزراعة والتغير البيئي والتجارة والإدارة المحلية والسلاح والتعبئة السياسية وضعف مؤسسات الدولة ولذلك فإن اختزالها في صراع قبلي يحجب جزءا مهما من بنيتها ومجتمعات الرعي نفسها ليست كتلة واحدة داخلها اختلافات في المصالح والطبقات والأجيال والقيادات ومواقف الرجال والنساء والشباب كما أن علاقاتها بالمزارعين والمجتمعات المستقرة ليست علاقات صراع دائم فهي في أوقات كثيرة علاقات تبادل وتجارة وتعاون وتداخل اجتماعي ولهذا فإن بناء السلام يحتاج إلى تجاوز الصورة النمطية للطرفين معا
اللحظة الراهنة تضع هذه المجتمعات أمام سؤال تاريخي هل تستمر في لعب دور المورد البشري الذي تستدعيه القوى المتنافسة عند الحاجة أم تتحول إلى فاعل يمتلك مؤسساته المدنية والسياسية وأدواته التنموية والتحول المطلوب ليس تحويل الرعاة إلى كتلة سياسية واحدة ولا بناء مشروع مغلق على أساس قبلي المطلوب هو إنشاء مساحات تنظيمية عابرة للقبائل والمناطق تجمع مصالح الرعاة والمزارعين ومجتمعات الرعي المختلط حول قضايا ملموسة التعليم والصحة والمياه والأمن والأسواق ومسارات الرعي والعدالة والمشاركة السياسية وحماية الموارد فالهدف ليس تقاسم المناصب وإنما امتلاك القدرة على صياغة المطالب والدفاع عنها بصورة سلمية ومؤسسية
يمكن بناء هذا التحول حول مسارات مترابطة منها شبكة مدنية عابرة للقبائل والمناطق وإنشاء إطار يضم منظمات المجتمع المدني والمهنيين والشباب والنساء والقيادات المحلية بحيث تكون الأولوية للمصالح المشتركة والتنمية والتمثيل لا لإعادة إنتاج الاصطفافات القبلية ومرصد للسياسات والتنمية لجمع البيانات وإنتاج الخرائط والدراسات حول التعليم والصحة والمياه ومسارات الرعي(المراحيل) والأسواق والنزاعات بحيث تصبح السياسات مبنية على معلومات يمكن التحقق منها لا على الصور النمطية وتعليم يتكيف مع الحركة عبر تطوير نماذج للمدارس المتنقلة والتعليم المرن والتعليم المجتمعي مع مناهج تراعي البيئة المحلية والثروة الحيوانية وتوسيع المنح الدراسية ومحو الأمية والتدريب المهني وخدمات لا تتوقف على اسم المكان عبر توسيع العيادات المتنقلة والمياه والتطعيم والخدمات البيطرية والأسواق والحماية الاجتماعية وفقا لحاجة السكان وكثافتهم وحركتهم لا وفقا للتصنيف الإداري وحده وتحويل الثروة إلى قيمة اقتصادية عبر دعم التعاونيات وسلاسل القيمة المرتبطة بالماشية والجلود والأعلاف والصمغ العربي وغيرها من الأنشطة مع تحسين الوصول إلى التمويل والتخزين والنقل والأسواق ومشاركة سياسية مؤسسية عبر إصلاح الحكم المحلي وتوسيع المشاركة في المجالس والهيئات المنتخبة ومراجعة أدوار الإدارة الأهلية بما يحافظ على وظائفها الاجتماعية ويمنع استخدامها كأداة للتعبئة السياسية أو العسكرية وتقليل التجنيد المسلح عبر توفير بدائل اقتصادية وتعليمية للشباب وبرامج لنزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج حيثما كان ذلك مناسبا مع حماية الأطفال ومنع تجنيدهم واستغلالهم في النزاعات وبناء رواية أكثر عدلا عبر توثيق الانتهاكات أيا كان مرتكبوها ومقاومة خطاب الكراهية وتقديم سردية ترى الرعاة كمواطنين وأصحاب مصالح وحقوق لا كمرادف للسلاح أو التخلف وإدارة الموارد وبناء السلام المحلي عبر إنشاء آليات مستدامة للتفاوض حول المياه والمراعي ومسارات الحركة والأراضي الزراعية وربط آليات الصلح المحلية بمبادئ حقوق الإنسان وسيادة القانون وشراكات دولية أكثر حساسية للسياق عبر توجيه التمويل والدعم الدولي نحو برامج طويلة الأجل مع ضمان الشفافية والمساءلة وعدم تحويل المساعدات أو البيانات الإنسانية إلى أدوات للاستقطاب السياسي أو الاجتماعي
القضية في جوهرها ليست أن الرعاة يريدون نصيبهم من السلطة إنها أعمق من ذلك إنها قضية مواطنة متى يصبح المواطن مواطنا كاملا هل عندما يحمل السلاح أم عندما يدفع الضرائب أم عندما ينتقل إلى المدينة أم عندما يستقر في قرية تحمل اسما معترفا به إداريا والدولة التي لا ترى المواطن إلا عندما يصبح مقاتلا ثم لا تراه عندما يصبح طالبا أو مريضا أو منتجا أو ناخبا تعيد إنتاج المشكلة التي تحاول لاحقا حلها بالقوة ولهذا فإن إعادة صياغة قضية مجتمعات الرعاة تعني الانتقال من النظر إليها باعتبارها مشكلة أمنية إلى التعامل معها باعتبارها قضية مواطنة وتنمية وتمثيل وإدارة موارد وبناء دولة والمطلوب ليس إخراج الرعاة من التاريخ فهم لم يكونوا خارجه يوما المطلوب هو إخراجهم من الدور الذي حصروا فيه أن يكونوا قوة عند الحاجة وعبئا عند توزيع الموارد وموضوعا للتقارير عند اندلاع الحرب ومن كان وقودا للحرب يمكن أن يصبح شريكا في السلام ومن كان حاضرا في ساحات القتال وغائبا عن مؤسسات الدولة يمكن أن يصبح حاضرا في المدرسة والسوق والمجلس المحلي ومؤسسات المجتمع المدني ومن الهامش إلى المركز إذن لا يعني انتقال جماعة إلى موقع جماعة أخرى بل يعني توسيع المركز نفسه حتى يصبح الوطن مكانا تتسع فيه المواطنة للجميع.
Prev Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.