رواتب المعلمين.. انهيار الأجور يهدد مستقبل التعليم في السودان؟

تقرير ـ عين الحقيقة

لا تقتصر أزمة التعليم في السودان على المدارس التي دمرتها الحرب أو تلك التي تحولت إلى مراكز إيواء، بل تمتد إلى داخل الفصول نفسها، حيث يقف المعلم أمام طلابه وهو يواجه أزمة معيشية تجعل الاستمرار في المهنة تحدياً يومياً.
فمع تآكل قيمة الجنيه السوداني وارتفاع أسعار الغذاء والمواصلات والاحتياجات الأساسية، تحولت مرتبات المعلمين إلى أحد أبرز مصادر الضغط على العملية التعليمية، خصوصاً مع تأخر صرف الأجور وتراكم المستحقات في عدد من الولايات.
وفي ولاية الخرطوم، قالت لجنة المعلمين السودانيين إن المعلمين والعاملين في التعليم دخلوا في سبتمبر 2026 يومهم الـ49 دون صرف المرتبات، مشيرة إلى أن أدنى راتب للمعلم يبلغ نحو 80 ألف جنيه، بينما يصل أعلى راتب إلى نحو 220 ألف جنيه، في وقت تجاوز فيه سعر الدولار 8,600 جنيه.
راتب يتآكل قبل أن يصل إلى صاحبه
لم تعد المشكلة في قيمة الراتب الاسمية وحدها، وإنما في قدرته الشرائية. فالمعلم الذي يتقاضى راتباً محسوباً بالجنيه السوداني يجد أن قيمته الفعلية تتراجع مع كل موجة ارتفاع جديدة في أسعار السلع والخدمات. وتشير تقارير حديثة إلى أن القيمة الحقيقية لأجور المعلمين تراجعت بصورة حادة منذ اندلاع الحرب، بينما اضطر بعض العاملين في التعليم إلى البحث عن مصادر دخل إضافية أو مغادرة المهنة بسبب عدم قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم الأساسية.
وتزداد المشكلة تعقيداً في ظل الانهيار المستمر للعملة. فقد أفادت رويترز في سبتمبر 2026 بأن الجنيه السوداني فقد قرابة نصف قيمته في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش منذ بداية الصيف، ما أدى إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع القدرة الشرائية للأسر.
وبالنسبة للمعلم، يعني ذلك أن الراتب الذي كان بالكاد يكفي احتياجات الأسرة أصبح عاجزاً عن تغطية الغذاء والمواصلات والعلاج، فضلاً عن تكاليف تعليم أبناء المعلم نفسه.
عندما يبحث المعلم عن مصدر دخل آخر
النتيجة الطبيعية لهذا الوضع هي خروج جزء من الكادر التعليمي من دائرة التركيز على التدريس إلى البحث عن وسيلة للبقاء. وتشير إفادات معلمين نقلتها «الجزيرة» إلى أن الأزمة المالية دفعت بعض العاملين في التعليم إلى البحث عن أعمال إضافية، بينما اضطر آخرون إلى أخذ إجازات دون راتب أو ترك المهنة، خصوصاً في المناطق التي تعذر فيها الوصول إلى المدارس أو صرف المستحقات.
ويرى الخبير التربوي عبد الرحمن سيد أحمد أن استمرار تدهور الأوضاع المالية يدفع بعض المعلمين إلى مغادرة المهنة أو البحث عن أعمال أخرى، الأمر الذي يفاقم فجوة الكوادر داخل المدارس ويؤثر في انتظام الدراسة واستقرارها ومستوى التحصيل الدراسي للطلاب. وهنا تتحول أزمة الراتب من قضية نقابية إلى قضية تربوية مباشرة: كل معلم يغادر المدرسة بحثاً عن مصدر دخل آخر يعني فقدان خبرة تربوية يحتاجها آلاف الطلاب.
أزمة المعلم جزء من أزمة تعليم أكبر
الحرب جعلت المدارس نفسها تواجه أزمات متعددة في وقت واحد. فبحسب اليونيسف، لا يزال نحو 8 ملايين طفل في سن الدراسة خارج المدرسة، فيما لم تعد قرابة نصف مباني المدارس قادرة على العمل كفصول دراسية. كما أكدت المنظمة أن الحرب أدت إلى توقف رواتب عدد كبير من المعلمين، خصوصاً في دارفور وكردفان، وهو ما يؤثر بصورة مباشرة على استمرارية التعليم.
وتشير بيانات أخرى إلى أن نحو 60% من الأطفال في سن الدراسة لا ينتظمون في التعليم النظامي، وأن نقص المعلمين وعدم صرف الرواتب وارتفاع تكاليف التعليم ونقص المواد التعليمية تمثل جميعها عوائق أمام عودة الأطفال إلى المدارس. أما اليونسكو فتؤكد أن أكثر من 8 ملايين طفل وشاب ظلوا خارج المدرسة، وأن ملايين آخرين تعرض تعليمهم للانقطاع منذ اندلاع الحرب.
وهكذا فإن أزمة الأجور تأتي في وقت يحتاج فيه السودان إلى المعلم أكثر من أي وقت مضى، لإعادة الأطفال إلى مقاعد الدراسة وتعويض سنوات الانقطاع.
الحكومة تعلن قرارات.. والمعلم ينتظر التنفيذ
وفي أبريل 2026، أعلنت الحكومة حزمة قرارات تضمنت صرف حافز شهر للمعلمين وصرف راتب شهر من المتأخرات، إلى جانب وعد بتحسين الرواتب، وتوجيهات بصيانة المدارس في الخرطوم دعماً للعودة الطوعية.
لكن الفجوة بين القرارات والتنفيذ ظلت واحدة من أبرز المشكلات التي تواجه ملف المعلمين، وفق لجنة المعلمين، التي قالت إن عدداً من القرارات المالية المتعلقة بتحسين الأجور وإزالة الفوارق وبدلات العاملين لم يجد طريقه إلى التطبيق الكامل.
وفي سبتمبر، قالت اللجنة إن مرتبات معلمي الخرطوم ظلت متأخرة لـ49 يوماً، في وقت تتصاعد فيه تكلفة المعيشة بصورة متسارعة.
الخطر الأكبر: جيل كامل يدفع الثمن
الضرر الحقيقي لأزمة المعلمين لا يظهر فقط في كشف المرتبات، وإنما في مستقبل الطلاب. فالمعلم الذي يعمل تحت ضغط اقتصادي متواصل، ويبحث عن عمل إضافي بعد ساعات المدرسة، أو يضطر إلى التغيب بسبب عجزه عن تحمل تكاليف المواصلات، لا يستطيع تقديم العملية التعليمية بالكفاءة والاستقرار المطلوبين. والطالب بدوره يدفع ثمن ذلك عبر تراجع زمن التعلم، ضعف المتابعة، ارتفاع معدلات التسرب، واتساع الفجوة التعليمية بين الأطفال القادرين على الوصول إلى التعليم الخاص وأولئك الذين يعتمدون على المدارس الحكومية.
وتحذر اليونيسف من أن تأثير الحرب على التعليم لا يقتصر على توقف الدراسة، وإنما يهدد مستقبل جيل كامل، مؤكدة أن التعليم يمثل عاملاً أساسياً في حماية الأطفال ودعم الاستقرار والتعافي في السودان.
إعادة فتح المدارس لا تكفي
عودة المدارس إلى العمل لا تعني بالضرورة عودة التعليم إلى طبيعته.
فالمدرسة تحتاج إلى معلم يتقاضى راتبه في موعده، وبيئة تعليمية آمنة، وكتب ومقاعد ومياه وكهرباء، وإدارة قادرة على العمل. ومن دون معالجة أزمة الأجور، ستظل إعادة فتح المدارس خطوة ناقصة؛ لأن المبنى وحده لا يصنع مدرسة، كما أن الطالب وحده لا يصنع عملية تعليمية.
المطلوب ليس فقط صرف المتأخرات، بل وضع سياسة أجور تحمي المعلم من الانهيار المستمر في قيمة راتبه، وربط الأجور بواقع تكاليف المعيشة، وضمان انتظام الصرف، وإعادة توجيه الإنفاق العام نحو التعليم باعتباره استثماراً في مرحلة ما بعد الحرب. فالسودان الذي يريد إعادة بناء مدنه واقتصاده لن يستطيع إعادة بناء مستقبله بمعلم يبحث عن لقمة عيشه بعد انتهاء اليوم الدراسي.
وفي بلد فقد ملايين الأطفال سنوات من التعليم بسبب الحرب، فإن إنقاذ المعلم لم يعد مطلباً وظيفياً فحسب؛ بل أصبح جزءاً من معركة إنقاذ جيل كامل من الضياع.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.