مع استمرار الدعوات إلى عودة اللاجئين والنازحين إلى العاصمة الخرطوم، تبرز أسئلة جوهرية حول مدى جاهزية المدينة لاستقبال العائدين، في ظل أوضاع إنسانية ومعيشية وأمنية لا تزال تمثل تحدياً أمام توفير حياة مستقرة وآمنة.
فالعودة الطوعية، في مفهومها الإنساني، لا تقتصر على نقل الأشخاص من أماكن اللجوء والنزوح إلى مناطقهم الأصلية، وإنما ترتبط بتوفير الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة، بما في ذلك الأمن، والمأوى، والمياه، والكهرباء، والخدمات الصحية والتعليمية، وسبل كسب العيش.
عودة بلا فرص للحياة
يرى مراقبون أن إعادة اللاجئين إلى الخرطوم دون توفير بيئة قادرة على استيعابهم قد تحول مفهوم “العودة الطوعية” إلى مجرد عملية نقل جغرافي، بدلاً من أن تكون عودة مستدامة وآمنة.
وتواجه الأسر العائدة تحديات تتعلق بتدمير أو تضرر المنازل والبنية التحتية، إلى جانب محدودية الخدمات الأساسية وارتفاع تكاليف المعيشة. كما أن فقدان مصادر الدخل والعمل يمثل عقبة إضافية أمام الأسر التي تبدأ حياتها من جديد بعد سنوات من النزوح أو اللجوء.
ويقول مختصون في الشأن الإنساني إن نجاح العودة لا يقاس بعدد الأشخاص الذين وصلوا إلى الخرطوم، وإنما بقدرتهم على الاستقرار وعدم اضطرارهم إلى النزوح أو اللجوء مرة أخرى بسبب غياب مقومات الحياة.
الخدمات التحدي الأكبر
وتظل الخدمات الأساسية واحدة من أبرز القضايا التي تواجه العائدين. فوجود السكان في منطقة ما لا يعني بالضرورة قدرتهم على العيش فيها بصورة مستقرة، خصوصاً عندما تكون الخدمات الصحية والتعليمية والمياه والكهرباء ووسائل النقل وفرص العمل غير كافية.
كما أن عودة الأسر التي تضم أطفالاً وكبار سن وأشخاصاً من ذوي الاحتياجات الخاصة تتطلب ترتيبات إضافية تضمن حصولهم على الخدمات الضرورية والحماية الاجتماعية.
العودة المستدامة تحتاج إلى ما هو أبعد من النقل
وتؤكد التجارب الإنسانية أن العودة المستدامة تحتاج إلى خطة متكاملة تشارك فيها الجهات الحكومية والمنظمات الإنسانية والمجتمعات المحلية، بحيث تشمل إعادة تأهيل المناطق المتضررة، وتوفير المأوى والخدمات، ودعم مصادر الدخل، وضمان الحماية والأمن.
ومن دون هذه الإجراءات، قد يجد العائدون أنفسهم أمام خيارين صعبين: البقاء في بيئة تفتقر إلى مقومات الاستقرار، أو مغادرة مناطقهم مرة أخرى بحثاً عن الأمان والخدمات.
من حق العودة إلى حق الحياة
وبينما تمثل العودة إلى الوطن رغبة طبيعية ومشروعة للعديد من اللاجئين والنازحين، فإن هذه العودة ينبغي أن تكون طوعية وآمنة وكريمة وقابلة للاستمرار.
فالمطلوب ليس مجرد إعادة الناس إلى الخرطوم، وإنما تهيئة الظروف التي تمكنهم من إعادة بناء حياتهم، وتأمين مساكنهم، وإلحاق أطفالهم بالمدارس، والحصول على العلاج، والعمل وكسب الرزق.
معيار نجاح العودة ليس عدد الحافلات التي تصل إلى الخرطوم، وإنما عدد الأسر التي تستطيع البقاء فيها بكرامة وأمان، دون أن تجد نفسها مضطرة إلى النزوح أو اللجوء مرة أخرى.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.