رصاص على لقمة العيش.. الجيش يقصف الأسواق، أيُّ نصرٍ يُصنع فوق جثامين الجياع؟

فاطمة علي سعيد

حين تتحوّل الأسواق إلى أهداف للقصف، يصبح البحث عن لقمة العيش مغامرة محفوفة بالموت، ويغدو البائع والمتسوق ضحية حرب لا ترحم. في السودان، لم يعد المواطن يخشى الرصاص في جبهات القتال وحدها، بات يواجهه في الأسواق التي يقصدها لإطعام أطفاله وتأمين قوت أسرته. فأيُّ جيشٍ يدّعي حماية الوطن إذا كان المدنيون يدفعون أرواحهم وأرزاقهم ثمنًا للمعارك؟ وأيُّ انتصارٍ يمكن أن يُعلن فوق أنقاض الأسواق، وبين جثامين الأبرياء؟

إن ما تشهده مناطق سودانية من هجمات تطال الأسواق والأعيان المدنية يضع مسؤولية حماية السكان في صدارة الأسئلة الملحّة، ويفرض ضرورة كشف ملابسات هذه الهجمات ومحاسبة المسؤولين عنها. فالسوق ليس ثكنة عسكرية، والباعة ليسوا مقاتلين، والمتسوقون لا يحملون سوى حاجاتهم اليومية وأمل العودة إلى أسرهم سالمين.

وإذا كانت الحرب قد جرّدت ملايين السودانيين من بيوتهم ومصادر رزقهم وأمانهم، فإن وصول نيرانها إلى الأسواق يمثّل ضربة جديدة لحياة الناس وحقهم في البقاء. فهنا لا تُحرق البضائع وحدها، بل تُحرق معها حصيلة سنوات من الكفاح، وتُسلب أسرٌ مصادر عيشها، ويُترك الناجون في مواجهة الجوع والفقر والنزوح. إن أخطر ما في هذه الحرب أن يصبح المدني هدفًا محتملًا حتى وهو يسعى إلى تأمين وجبة لأطفاله. وعندما تُزهق الأرواح في الأسواق، لا يعود السؤال عن المكاسب العسكرية وحدها، بل عن قيمة الإنسان، وعن المسؤولية، وعن العدالة التي ينبغي ألا تسقط تحت أزيز الطائرات ودويّ القصف.

لم تعد الحرب في السودان تكتفي بتدمير المدن وتشريد السكان، امتدت نيرانها إلى الأسواق التي يقصدها المواطنون بحثاً عن قوت يومهم، فتحوّلت أماكن الرزق إلى ساحات للموت. الأسواق في دارفور وكردفان شرايين حياة تربط القرى والبلدات، وتوفّر الغذاء والدواء والاحتياجات الأساسية لآلاف الأسر. واستهدافها لا يعني تدمير المباني والبضائع فحسب، إنما قطع أرزاق المواطنين وتعميق معاناتهم، وحرمان المجتمعات من أبسط مقومات البقاء.

وقد كشفت الهجمات الأخيرة خطورة هذا النمط من العمليات. ففي 19 أكتوبر 2026، تعرّض سوق أمِيت بمنطقة أبيي الحدودية الهجوم بطائرات مسيّرة، وأعلنت السلطات المحلية ارتفاع حصيلة القتلى إلى 153 شخصاً، بينهم مدنيون، مع استمرار المخاوف بشأن المفقودين. متهمين الجيش السوداني بتنفيذ الهجوم، فيما تحدثت تقارير عن استهداف مستودع وقود داخل السوق، بينما لم يغيّر ذلك من حقيقة الخسائر المدنية الفادحة التي تستوجب التحقيق والمساءلة. وأدانت الأمم المتحدة الهجمات التي أوقعت قتلى وجرحى قرب سوق أمِيت ومنطقة توداش.

كما شهدت منطقة «الدبب» بغرب كردفان هجوماً على سوق أوقع ضحايا مدنيين، وفق ما أعلنته الأمم المتحدة. وفي شمال دارفور، يُمثّل سوق النايم بمنطقة أم كدادة شرياناً تجارياً حيوياً يربط بين دارفور وكردفان والمناطق الشمالية، وصولاً إلى الدبّة، ويعتمد عليه سكان مناطق واسعة في تأمين الغذاء والدواء والاحتياجات الأساسية. وقد تعرّض السوق لهجمات متتالية ألحقت أضراراً مادية وبشرية، وفق المعلومات المؤكدة. ولا يقتصر أثر استهدافه على خسائر الأرواح والممتلكات، وإمتد إلى قطع طرق الإمداد التجاري وتهديد مصادر عيش آلاف الأسر التي تعتمد عليه. ضرب سوق بهذه الأهمية يعني تعريض مجتمعات بأكملها لمزيد من الجوع والعزلة، ولم تقتصر الهجمات التي طالت الأسواق على منطقة بعينها، بل تتردد تقارير عن قصف سوق المواشي في “نيالا والضعين، والأُضية، وهي أسواق تمثّل شرياناً اقتصادياً مهماً لمئات التجار ومربي الماشية والأسر التي تعتمد على بيع وشراء المواشي لتأمين قوتها اليومي. مماضاعف معاناتهم في ظل حرب أنهكت الاقتصاد ودفعت ملايين السودانيين إلى حافة الجوع

هذه ليست أرقاماً عابرة في نشرات الأخبار فخلف كل قتيل أسرة فقدت معيلها، وخلف كل متجر محترق سنوات من الكفاح، وخلف كل أم تنتظر ابنها حكاية وجع لا تستطيع بيانات العسكر أن تختصرها.

إن امتلاك القوة العسكرية لا يمنح الجيش أو أي طرف آخر حق تعريض المدنيين للخطر دون اعتبار للقانون. وحتى عندما يعلن طرف متحارب أن هدفه موقع أو إمداد مرتبط بالقوة المقابلة، فإن ذلك لا يعفيه من واجبات التمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية، واتخاذ الاحتياطات اللازمة، وتجنب الهجمات العشوائية أو غير المتناسبة.

وإذا كان الجيش السوداني يستهدف الأسواق بذريعة وجود إمدادات أو عناصر عسكرية فيها، فإن هذه الذريعة لا تكفي وحدها لتبرير الهجوم. فالقانون لا يُعلّق حماية المدنيين بمجرد الاشتباه، ولا يحوّل السوق بأكمله إلى هدف عسكري بسبب وجود منشأة أو شحنة يُعتقد أنها مرتبطة بأحد أطراف الحرب.

إن الجيش الذي يفترض أن يحمي المواطنين مطالب بأن يجيب عن أسئلة جوهرية: كيف جرى تحديد الأهداف؟ وما الاحتياطات التي اتُخذت لحماية المدنيين؟ وهل كانت الأضرار المتوقعة متناسبة مع الميزة العسكرية المرجوة؟ هذه أسئلة لا يجوز إسكاتها بالشعارات الوطنية أو التبريرات العسكرية.

وقد حذّرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، في 22 أكتوبر 2026، من تزايد الأضرار التي تلحق بالمدنيين جراء الهجمات الجوية في السودان، مؤكدة أن استخدام الطائرات المسيّرة لا يغيّر قواعد الحرب، وأن الهجمات العشوائية وغير المتناسبة محظورة.

إن خطورة استهداف الأسواق لا تنتهي بانتهاء القصف؛ فحين تُدمّر مصادر الغذاء والتجارة، تتسع دائرة الجوع والفقر والنزوح، وتصبح الحياة أكثر قسوة على مجتمعات لم تعد تملك ما تخسره سوى أرواحها.

ولا يكفي أن يصدر المجتمع الدولي بيانات إدانة بعد كل مأساة، بينما تتكرر الهجمات وتظل الأسئلة بلا إجابات. المطلوب تحقيقات مستقلة وشفافة، وتحديد المسؤوليات استناداً إلى الأدلة، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن انتهاكات القانون الدولي الإنساني، أياً كانت رتبته أو الجهة التي ينتمي إليها.

لا نصر فوق دماء الأبرياء السودان لا يحتاج إلى مزيد من الأسواق المحترقة، ولا إلى خطابات عسكرية تتحدث عن الانتصار بينما تُدفن العائلات ضحايا للقصف. يحتاج إلى وقف الحرب، وحماية المدنيين، واستعادة حق الناس في الحياة والعمل والأمان.

أيُّ وطنٍ يُدافع عنه جيشٌ إذا أصبح المواطن يخشى الموت وهو يشتري طعام أطفاله؟ وأيُّ نصرٍ يُصنع فوق جثامين الباعة والمتسوقين؟

إن استهداف الأسواق والأعيان المدنية ليس تفصيلاً هامشياً في معركة، يعد مأساة إنسانية تستوجب الحقيقة والعدالة. فلا حصانة لمنتهك، ولا تبرير لاستباحة أرواح الأبرياء.

 

لا لاستهداف المدنيين، لا لاستباحة الأسواق، لا للإفلات من العقاب. نعم لوقف الحرب، وحماية الإنسان السوداني، وبناء سلامٍ يحفظ الحياة والكرامة للجميع.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.