حين يُهمَّش المعلم، يصبح الإضراب دفاعًا عن الحقوق

حسن عبد الرضي

في البدء لا بد من تحية المعلمين وتهنئتهم بنجاح اضرابهم القوى الذي أخاف الظلمة وجعلهم يرتجفون.
ثم دعونا نرفع القبعات لما كتبه الزميل الدكتور عصام دكين في «دكينيات» إذ لم يكن مجرد احتجاج على زيادة هزيلة في أجور المعلمين بولاية الخرطوم؛ بل إنه شهادة موجعة على واقع اختلّت فيه الموازين، حتى أصبح المعلم الذي يصنع العقول عاجزًا عن تأمين أبسط ضروريات الحياة، وأصبح الذهاب إلى المدرسة عبئًا قد يفوق قدرة من يعمل فيها.
والأكثر دلالة أن يصدر هذا الكلام عن زميل تربّى في حضن هذا النظام، وعرفه من الداخل. فإذا كان من عاشوا بالقرب من السلطة قد بلغ بهم الأمر إلى تسمية الأشياء بأسمائها، فماذا بقي لمن لا يزالون يغطّون الإخفاق بالشعارات، ويطلبون من المعلمين الصبر على ضيق العيش، وانتظار الفرج من الجهات التي لم تُنصفهم؟
يقول الدكتور عصام إن الزيادة المعلنة لمعلمي محلية كرري تتراوح بين خمسين وتسعين ألف جنيه، وفق ما أورده في مقاله. ثم يضع هذه الأرقام في مواجهة أسعار السوق وتكاليف المواصلات والمعيشة، لتنكشف الفجوة الفادحة بين ما يتقاضاه المعلم وما يحتاج إليه ليعيش حياة مستقرة.
ليست القضية كم جنيهًا أُضيف إلى الراتب، بل أيُّ حياة يستطيع هذا الراتب أن يوفّرها لصاحبه؟
أيُّ معنى لأن نطالب المعلم بتعليم أبنائنا قيمة العمل والإنتاج، وهو يعمل طوال الشهر ثم يكتشف أن أجره لا يكفي حتى نفقات الوصول إلى عمله؟ وأيُّ معنى للحديث عن إصلاح التعليم والتحول الرقمي وتطوير المناهج، بينما يقف المعلم عاجزًا أمام احتياجات أسرته، ويضطر بعض المعلمين إلى البحث عن أعمال إضافية، حتى إن بعضهم يعمل سائق ركشة بعد انتهاء الدوام؟
ويروي دكين مثال زميلنا عثمان كرشوم، وهو الآخر من مؤيدي النظام، الذي يعمل سائق ركشة في كرري. فإذا كان هذا حال بعض المعلمين المؤيدين للنظام، فما الذي يخيفكم أنتم من المطالبة بحقوقكم؟ وما الذي يمنعكم من رفض هذا الواقع المزري؟ ماذا أفادتكم الاستكانة طوال ثلاثين عامًا ويزيد؟ وماذا تنتظرون بعد كل ما ذقتموه وعشتموه في ظل هذا النظام؟
ليس في العمل الشريف ما ينتقص من قدر الإنسان. العيب ليس في أن يقود المعلم ركشة ليطعم أبناءه، بل في واقع يدفعه إلى البحث عن مورد إضافي لأن راتبه لا يكفي، ثم يتحدث عن مكانة المعلم وأهمية رسالته، كأن الشعارات تستطيع أن تسد جوع الأسر أو تدفع تكاليف المواصلات.
إن المعلم لا يطلب امتيازًا على سائر العاملين، ولا يريد أن يعيش فوق مستوى شعبه. إنه يطالب بأجر عادل يضمن الحد الأدنى من متطلبات الحياة، وبسياسة تعليمية تعترف بأن المدرسة لا تقوم بالجدران والطباشير، ولا بالمؤتمرات والصور، وإنما تقوم أولًا بالإنسان الذي يقف أمام التلاميذ.
فيأيها المعلمون: ماذا أنتم فاعلون؟ إذ هنا ينتقل السؤال من تشخيص الأزمة إلى مسؤولية مواجهتها.
أيها المعلمون الذين يعارضون سياسات حكومة البرهان، ويرون في استمرار هذا الواقع ظلمًا لهم ولأبنائهم وللمستقبل الذي يحملون أمانته: ماذا أنتم فاعلون؟
هل تنتظرون أن تستيقظ السلطة ذات صباح فتكتشف، من تلقاء نفسها، أن المعلم يستحق أجرًا يتناسب مع احتياجاته؟ وهل تتوقعون أن تتحول الوعود إلى أجور عادلة بمجرد تكرارها؟ أم تراهنون على نقابة لا تستطيع أن تجعل مطالبهم قوة مسموعة؟
إن الحقوق لا تُصان بالتمنيات، ولا تُنتزع بمجرد الشكوى، ولا يحميها الصمت حين يصبح الصمت جزءًا من المشكلة. وأمام عجز القنوات التقليدية عن تحقيق المطالب، تبرز أهمية العمل المستقل والمنظّم، القادر على توحيد صوت المعلمين وتحويل معاناتهم الفردية إلى قضية عامة واضحة المطالب.
ومن هنا تأتي أهمية الإضراب الذي أعلنته لجنة المعلمين السودانيين.
إن الإضراب، حين يكون قرارًا جماعيًا، وتسبقه مطالب واضحة، وتُدار خطواته بصورة منظّمة وسلمية، يصبح وسيلة مشروعة للضغط من أجل تحسين الأجور وصون الحقوق. وهو ليس غاية في ذاته، ولا ينبغي أن يكون مغامرة غير محسوبة، بل أداة تستمد قوتها من وحدة المعلمين، ووضوح أهدافهم، والتزامهم بقرارهم الجماعي.
فإذا كان المعلمون قد جرّبوا الوعود طويلًا، فمن حقهم أن يختبروا قوة وحدتهم المطلبية.
وليس الإضراب خصومة مع أسر التلاميذ؛ فهؤلاء أيضًا ضحايا انهيار التعليم وتدهور الأوضاع المعيشية. والمطلوب أن يشرح المعلمون للرأي العام أن الدفاع عن حقوقهم هو دفاع عن المدرسة نفسها، وأن تعليمًا يقوم على معلم أنهكه العوز لا يمكن أن ينهض بمجتمع كامل.
أما التخويف من الإضراب، أو تصوير المطالبة بالحقوق على أنها تقصير في أداء الرسالة، فليس جوابًا عن السؤال الأساسي: كيف نطالب المعلم بأن يمنح أبناء الناس ما حُرم هو وأبناؤه منه؟ فلا تمنحوا الصمت فرصة أخرى، إذ أن أخطر ما يمكن أن يحدث للمعلم ليس أن يتأخر إنصافه فحسب، بل أن يعتاد الإهمال، وأن يتعامل مع ضيق العيش بوصفه قدرًا لا يجوز الاعتراض عليه، وأن يفقد الإيمان بقدرته على تغيير واقعه.
حين يصل الإنسان إلى هذه المرحلة، لا تكون الخسارة واقعة عليه وحده، بل تمتد إلى المدرسة والأسرة والمجتمع بأسره؛ لأن المعلم المنهك لا يستطيع أن يؤدي رسالته في الظروف نفسها التي يؤديها فيها من يجد الاستقرار والدعم.
ولذلك، فإن مسؤولية المعلمين اليوم لا تقتصر على المطالبة بزيادة الأجور، على أهميتها، بل تشمل الدفاع عن استقلال قراراتهم، وحقهم في التنظيم والتعبير، وضرورة إخضاع القرارات المتعلقة بمستقبلهم للمساءلة والشفافية.
وعلى لجنة المعلمين السودانيين أن تظل قريبة من قواعدها، وأن توضح مطالبها وخطواتها، وأن تتيح للمعلمين المشاركة في القرارات التي تمس مصيرهم. فالقوة الحقيقية ليست في اسم اللجنة، ولا في حماسة البيانات، بل في الثقة المتبادلة، ووحدة الصف، والقدرة على التفاوض من موقع جماعي واضح.
أما المعلمون، فعليهم أن يدركوا أن اختلافهم لا ينبغي أن يبدد اتفاقهم على الحقوق المهنية والاقتصادية. فمن يؤيد الحكومة ومن يعارضها، ومن يختلف مع هذا الطرف أو ذاك، يجمعهم حق واحد: ألا يتحول العمل في التعليم إلى عقوبة اقتصادية، وألا يصبح أجر المعلم بندًا قابلًا للتجاهل في ميزانية الدولة.
لقد علّمنا التاريخ السوداني أن النقابات تستطيع، حين تستقل بإرادة أعضائها وتتوحّد حول مطالبهم، أن تصبح قوة اجتماعية لا يمكن تجاهلها. وتظل ثورة أكتوبر ١٩٦٤ محطة مهمة في الذاكرة السودانية، بما جسّدته من دور للعمل النقابي والجماهيري في مواجهة الحكم العسكري.
لكن استعادة التاريخ لا تكون بترديد شعاراته وحدها، بل بفهم شروط القوة اليوم: تنظيم مستقل، ومطالب محددة، وقرار جماعي، ومحاسبة للقيادات، وتمسّك بالوسائل السلمية التي تحفظ الحقوق وتقلّل الأذى الواقع على الطلاب والأسر.
إن النقابة التي لا تعبّر عن مطالب قواعدها تفقد مبرر وجودها، والقيادة التي لا تستجيب لمعاناة أعضائها ينبغي أن تواجه أسئلتهم ومحاسبتهم. فالنقابات ليست ملكًا لقياداتها، وإنما مؤسسات ينشيؤها العاملون للدفاع عن مصالحهم، ومن حقهم أن يطالبوا باستعادة دورها متى تراجعت عنه.
أيها المعلمون، لا تنتظروا من أحد أن يحمل عنكم مسؤولية الدفاع عن حقوقكم؛ فما حكّ جلدك مثل ظفرك. ولا تسمحوا لأحد أن يقنعكم بأن الفقر فضيلة، أو أن الصبر يعني السكوت إلى الأبد، أو أن الإضراب المنظّم يتناقض مع رسالتكم التربوية.
لقد اخترتم التعليم لتصنعوا مستقبل الأجيال، لا لتقضوا أعماركم في مطاردة لقمة العيش. ومن حقكم أن تطالبوا بأجر عادل، وبيئة عمل مناسبة، وتعليم لا يُستخدم شعارًا لتغطية الإخفاق.
إن ما كتبه الدكتور عصام دكين يضع الجميع أمام سؤال لا يجوز الهروب منه: إذا كانت هذه هي أحوال المعلم، وإذا كانت الزيادة المعلنة لا تفي باحتياجاته الأساسية، فما الذي بقي أمامه ليصون حقوقه ويُسمع صوته؟
الجواب لا يكمن في انتظار معجزة، ولا في تكرار الشكوى، بل في تنظيم الصفوف، وتوحيد المطالب، وممارسة الحق في الإضراب بوعي ومسؤولية.
أيها المعلمون، لا تجعلوا خلافاتكم ستارًا يحجب حقوقكم المشتركة. اجعلوا وحدتكم قوة، وإضرابكم المنظّم وسيلة لإيصال صوتكم، ومطالبكم الواضحة أساسًا لأي تفاوض جاد.
فالتعليم الذي يُهمَّش معلمه لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات؛ يحتاج إلى سياسات عادلة تبدأ بأجر المعلم، وتحترم إنسانيته، وتضع مستقبل التلاميذ فوق حسابات السياسة الضيقة.
لا نهضة تعليمية من دون إنصاف المعلم، ولا إصلاح حقيقي ما دام الذين يصنعون وعي الأجيال عاجزين عن تأمين أبسط متطلبات الحياة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.