أثار إعلان سفارة السودان في أوتاوا بشأن حصر وتسجيل السودانيين العاملين في الوزارات والمؤسسات والأجهزة الحكومية بكندا موجة من السخرية والتساؤلات على مواقع التواصل الاجتماعي، واضعاً سلطة الأمر الواقع في بورتسودان أمام انتقادات بشأن واقع الأجور، وجدوى مطالبة الموظفين بالعودة إلى وظائف حكومية لا تضمن لهم، وفقاً لتعليقات متداولة، الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي.
وبحسب الإعلان الصادر في 23 أكتوبر 2026، أشارت السفارة إلى توجيه مجلس الوزراء الانتقالي رقم (108) لسنة 2026، الصادر في 17 سبتمبر الماضي، بشأن إخطار منسوبي أجهزة الدولة بالعودة إلى مواقع عملهم خلال مدة أقصاها 45 يوماً من تاريخ صدور التوجيه، مع منح المعنيين أسبوعين لاستكمال إجراءات الحصر والتسجيل.
وتحوّل الإعلان، الذي يأتي في إطار إجراء إداري، إلى مادة للسخرية على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تساءل سودانيون عن جدوى مطالبة موظف مقيم في كندا بترك ظروف معيشية مختلفة والعودة إلى بلد أنهكته الحرب والأزمة الاقتصادية، من أجل راتب حكومي لا يتناسب، بحسب تعليقات متداولة، مع تكاليف المعيشة.
وكتب أحد المتفاعلين ساخراً: «يعني أنا كموظف حكومة مشيت كندا، إن شاء الله بالشحدة، أجي راجع ولا شنو؟»، فيما تساءل آخر: «في زول في كندا بجي لوظيفة في السودان؟ يخلي كندا ويجي عشان مرتب 350 ألف جنيه، يعني 35 دولار».
وتعكس هذه التعليقات، بصرف النظر عن نبرتها الساخرة، فجوة بين توجهات السلطة الرامية إلى استعادة العاملين إلى مؤسسات الدولة والواقع الاقتصادي الذي يواجه الموظفين. فبدلاً من الاكتفاء بحصر الأسماء وتحديد المهل، يبرز سؤال جوهري بشأن التدابير التي اتخذتها الحكومة لجعل العودة خياراً عملياً ومجدياً للعاملين الذين تطالبهم بالرجوع.
وتواجه سفارة السودان في كندا، بدورها، تساؤلات بشأن دورها في توضيح أبعاد التوجيه الحكومي، ومدى تقديمها معلومات كافية حول الفئات المشمولة بالإجراء، والضمانات الوظيفية، والآثار المترتبة على عدم التسجيل أو عدم العودة. فالإعلان عن المواعيد والمهل لا يكفي وحده لتبديد مخاوف الموظفين، ولا يوضح كيفية التعامل مع الظروف التي قد تجعل العودة صعبة أو غير ممكنة بالنسبة إلى بعضهم.
أما سلطة الأمر الواقع في بورتسودان، فتواجه أسئلة تتجاوز الإجراءات الإدارية إلى جوهر سياسة استعادة الكفاءات: هل اقترنت مطالبة الموظفين بالعودة بخطط لتحسين الأجور، وتوفير بيئة عمل مستقرة، وضمان الحد الأدنى من الحياة الكريمة؟ أم أن التوجيهات الإدارية صدرت دون توضيح كافٍ لكيفية معالجة الظروف الاقتصادية والمعيشية التي قد تكون من بين أسباب مغادرة بعض العاملين البلاد؟
وفي بلد أنهكت الحرب مؤسساته، وتراجعت فيه القدرة الشرائية للأجور، لا يمكن فصل ملف عودة الموظفين عن قضايا الأمن والاستقرار والخدمات وتكاليف المعيشة. فاستعادة الكفاءات لا تتحقق بمجرد إصدار القرارات الإدارية، وإنما تتطلب سياسات واضحة، وضمانات معلنة، وحوافز واقعية تعزز الثقة في مؤسسات الدولة وتشجع العاملين على العودة.
وحتى الآن، لا يوضح الإعلان ما إذا كان التوجيه يشمل جميع العاملين الحكوميين المقيمين في كندا أم فئات محددة منهم، كما لا يتضمن تفاصيل بشأن العواقب الإدارية المترتبة على عدم التسجيل أو عدم العودة خلال المهلة المحددة.
وبينما تنتظر هذه التساؤلات إجابات رسمية، تكشف موجة السخرية عن اتساع الفجوة بين القرارات الحكومية وتوقعات المواطنين. فالموظف الذي يُطلب منه العودة لا يحتاج إلى مهلة للتسجيل فحسب، بل إلى إجابات واضحة بشأن الراتب والأمان والاستقرار، قبل أن يُطلب منه اتخاذ قرار مصيري بشأن مستقبله: ماذا سيجد في السودان إذا عاد؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.