حين يتحول «الفلنقاي» الطائفي إلى «إبرة» سامة لنخر جسد السودان الجديد!
في القاموس السياسي السوداني، لم تكن الطائفية يوماً مجرد انتماء ديني أو روحي بريء؛ بل كانت ماكينة لتغييب الوعي، وصناعة القطيع، وتدجين عقول البسطاء والمغفلين لإبقائهم في درك العبودية السياسية تحت أقدام «السادة». لكي تدوم دولة «السيد» وتستمر في نهب ثروات الهامش وإشعال الحروب بين مجتمعاته، كان لا بد للطائفية من صناعة طبقة وظيفية رخيصة تُعرف في الوعي الجمعي السوداني بـ «الفلنقايات»؛ إنهم أولئك التابعون الأذلاء الذين يبيعون كرامتهم وقضايا مجتمعاتهم ودماء أهلهم مقابل فتات موائد السادة.!
ومن رحم هذه الظاهرة المهينة، خرج لقب «وِلِّيدْ السَّيِّدَة مَرْيَمْ» (بكسر الواو وتشديد اللام المكسورة كما ننطقها بالسودانية الدارجة الساخرة)، لا بوصفه مجرد لقب أطلقه من يعرفون الرجل عن قرب للتهكم الشخصي فحسب، بل كتشريح سياسي ونفسي دقيق لحالة التبعية المطلقة التي يجسدها المدعو عز الدين الصافي.
من تحت إبط السيدة إلى كابينة التأسيس
لقد خبرت مريم الصادق المهدي — وريثة المشروع العروبي الإسلاموي الذي وضع حزب الأمة “وآخرين” حجر أساسه لإقصاء الشعوب السودانية — معدن عز الدين الصافي مبكراً. رأت فيه مريم نموذجاً فريداً ومثالياً لـ «الفلنقاي» المطيع، الخانع، المستعد لفعل أي شيء لإرضاء سيدته؛ ففرشت له عباءة الرعاية، وأمسكت بيده لترقيه من مجرد تابع مغمور إلى واجهة في مجال عمل المنظمات، ثم فتحت له أبواب «الحرية والتغيير» على مصراعيها ليتسلق عبرها ويلمع نجمه في غفلة من الزمان.
ونتيجة لظرف تاريخي استثنائي ومعقد — وربما بتواطؤ وهندسة خفية — قفز هذا «الوِلِّيد» وانتهى به المطاف إلى موقع مؤثر داخل هياكل تحالف تأسيس وحكومة السلام!، في ظروف يراها كثيرون جديرة بالمراجعة والتدقيق.
وهنا تحديداً، يقفز السؤال الوجودي الذي لا يجوز تجاهله أو مداراته: هل كل هذه الجرائم، والمخالفات، وشبكات الفساد الأخطبوطية التي يديرها عز الدين الصافي اليوم داخل مشروع التأسيس هي مجرد ثمرة لجشعه الشخصي وأفكاره الشريرة، أم أنه ما زال يؤدي وظيفته الأصلية كـ «فلنقاي» تحركه ” السَّيِّدَة مَرْيَمْ ” بالريموت كنترول كيفما شاءت؟
مريم والبرهان: تحالف المركز القديم لوأد السودان الجديد
لفهم خطورة هذا السؤال، علينا أن ننظر إلى تموضع مريم الصادق المهدي في هذه الحرب؛ فهي تقف في خندق واحد، قلباً وقالباً، مع البرهان وجيش الحركة الإسلامية الإرهابية (الكيزان). إن مشروعهم المشترك والأساسي هو إسقاط مشروع «السودان الجديد» العلماني الديمقراطي الفيدرالي، وإجهاض ثورة الهامش، ضماناً لاستمرار ذلك المشروع العروبي الإسلاموي العنصري الذي يبقي المجتمعات السودانية في حالة الكراهية والإقتتال الدائم والحروب العبثية، بينما تتفرغ نخب المركز والطائفية لنهب ذهب السودان وموارده وثرواته.
في ظل هذه المعادلة الصفرية، يظل افتراض أن «وِلِّيدْ السَّيِّدَة مَرْيَمْ» قد فك ارتباطه النفسي والسياسي بمرضعته الطائفية وتحرر ليصبح ثائراً مدنياً فيدرالياً علمانياً هو الافتراض الأضعف والأكثر سذاجة! فكل ممارسات الرجل على الأرض تصب مباشرة في طاحونة الدولة القديمة وتخدم أجندة بورتسودان بدقة مذهلة:
إقطاعية الوصول الإنساني وتخادم المخابرات:
لم يكتفِ الصافي باغتصاب الشرعية الدستورية عبر رئاسته لما يسمى «هيئة الوصول الإنساني» الباطلة دستورياً، وتزوير الأوراق السيادية باسم رئاسة مجلس الوزراء لابتزاز المنظمات الدولية وجباية الأموال خارج خزينة الدولة؛ ولم يكتفِ بجعل هذه الهيئة مظلة لحماية الاختراق الاستخباراتي الكيزاني! فهو الذي حمى بقاء أكثر من 20 ألف متطوع وموظف في الهلال الأحمر بدارفور وكردفان تحت إدارة وتمويل بورتسودان وقد قبض على بعضهم يرفع الإحداثيات لطيران العدو، وهو الذي وفّر الغطاء السياسي والأمني لشبكات «غرف الطوارئ والتكايا» التي يمولها ويهندسها مستشار البرهان (أمجد فريد) بمليارات الجنيهات لكسر إرادة الجوعى وتهيئة الحواضن لعودة جيش دولة 56! وهو الذي يتحالف مع منظمات الكيزان التي يديرها “أيتام” أنس عمر، مثل منظمة السواعد الخضراء التي يديرها مدير مكتب أنس عمر السابق “كبر برشم” وغيرها من منظمات الكيزان التي يأتيها التمويل و “التعليمات” من بورتسودان مباشرة.
وهو المحرك الأساسي في جوقة «الأنبياء الكذبة» التي ضربت سياجاً عازلاً حول السيد الرئيس وعزلت مكتبه لفلترة الحقائق، وهو من استغل ضعف مقرر التحالف و فساده مكين حامد تيراب ليحشد أكثر من 26 من أفراد أسرته وعشيرته في مؤتمر نيروبي تحت لافتات وهمية، ناثراً فيروس المحاصصة القبلية بين القبائل و البطون لتفكيك الجبهة الداخلية.
قد يجادل البعض بأن ما يفعله عزالدين الصافي من فساد، ومضاربات ربوية في أموال الإغاثة وتجارة العملة «بنكك مقابل الكاش» مع قريبه عيسى منزول لسرقة عرق وأموال المواطنين، هو مجرد جشع لصوصي وأنانية مفرطة. هذا صحيح في ظاهره، لكن ما يفعله الرجل داخل الأجهزة الأمنية والاستخباراتية يتجاوز حدود «السرقة» إلى حدود «العمالة والتخريب الاستراتيجي المنظم» الذي يستوجب التحري والتدقيق الجنائي والأمني الفوري!
لقد انتقل «وِلِّيدْ السَّيِّدَة مريم» من ممارسة الفساد إلى مأسسة الإفساد؛ فقام ببناء سوق نخاسة أمني يقوم على رشوة ضباط وعساكر الاستخبارات في المدن والإرتكازات وشراء ذممهم. والأخطر من ذلك كله، أنه ابتكر آلية جهنمية لشل يد العدالة والرقابة من المنبع: «شراء تقارير الفساد»!
عندما يقوم ضابط أو فرد أمني شريف برفع تقرير استخباراتي أو رقابي يوثق فساد مسؤول ما، تتدخل شبكة عز الدين الصافي بأموال الجبايات المنهوبة لتشتري ذلك التقرير من الضابط الفاسد قبل أن يصل إلى القيادة الأعلى! وهنا تعمل شبكة عزالدين الصافي بقاعدة المافيا:
– إذا كان التقرير يخص أحد أفراد شبكته وعصابته: يُتلف التقرير أو يُحفظ في درجه الخاص، ويُطلق العنان لذلك الفاسد ليمارس مزيداً من النهب والعبث تحت الحماية الكاملة!
– وإذا كان التقرير يخص مسؤولاً خارج شبكتهم: يتحول التقرير في يدهم إلى سلاح للابتزاز؛ فيساوم المسؤول المتورط بين فضحه وسجنه، أو الخضوع التام والانضمام لشبكته وتنفيذ أجندته!
بهذه الهندسة الخبيثة، لم يعد الولاء داخل المؤسسات قائماً على الإيمان بمشروع السودان الجديد، بل على الخوف والابتزاز وتبادل الحماية الإجرامية؛ ما أدى إلى توسيع دائرة الفاسدين والمرتشين داخل المفاصل المدنية والأمنية لدرجة مخيفة أصبحت تهدد بانهيار المنظومة من داخلها!
هناك معلومات بالأمس تشير الى تهريب “أحمد بركة” وزير المالية في أول إدارة مدنية في نيالا بعد التحرير، والذي تم القبض عليه في يونيو الماضي وبحوزته أطنان من العملات المزورة فئة الألف جنية، بالإضافة الى عملات أجنبية أخرى. كما وجدت السلطات الأمنية في حوزة أحمد بركة مطابع لطباعة العملة السودانية من فئة ألف جنية يديرها من مخابئه في نيالا بمعاونه بعض الأجانب. فإن صحت المعلومات بتهريب أحمد بركة من معتقله، فذلك مؤشر خطير على مدى الفساد الذي استشرى في الأجهزة الأمنية بسبب عمليات الإفساد المنظم الذي يرعاها أمثال عز الدين الصافي.
كما ان هروبه يفتح التساؤلات مجددا، كيف حصل أحمد بركة على المطابع؟ وكيف ومتي أدخلها الى نيالا؟ وكيف حصل على “التصميم الفني” لفئة ال 1000 جنية سوداني؟ وما علاقة ذلك بالعملة التي طبعتها الحكومة؟
وما علاقة العملة المزورة وتلك التي طبعتها الحكومة بشبكة تبديل النقد مقابل بنكك مقابل من 40 الى 60%، و التي تديرها صرافة/بنك السلام وصاحبها موسى خدام؟
وما علاقة ذلك بشبكة عيسى منزول وعزالدين الصافي التي تعمل بشراهة في تبدل نقد مقابل بنكك في شرق دارفور و اسواقها الرئيسيه بما في ذلك الأسواق الحدودية؟
وأين النائب العام للسودان الجديد؟ أم تحول الى “النائم العام” كما كان نظيرة في عهد الكيزان؟
هنا يأتي السؤال الأخطر أو سؤال الساعة: هل تحول «وِلِّيدْ السَّيِّدَة مَرْيَمْ:» إلى «إبرة» البرهان ومريم؟
لقد أعلن أعداء التغيير — تحالف البرهان والكيزان ومريم الصادق — مراراً وتكراراً أنهم لن يكتفوا بالمواجهة العسكرية التي هُزموا فيها أمام بسالة الأشاوس، بل سيعملون بسياسة «الحفر بالإبرة» لتفكيك قوات الدعم السريع وتدمير مشروع التأسيس من الداخل!
وحين نضع قطع هذه الأحجية بجوار بعضها: رجل ربته مريم الصادق وصنعته كـ «فلنقاي» طائفي، يتسلل إلى أعلى هرم العمل الإنساني والسياسي في «تأسيس»، يحمي خلايا أمجد فريد واستخبارات بورتسودان في دارفور، يغذي الصراعات القبلية والبطون، يعزل القائد عن الحقائق، يسعى للقفز على رئاسة جهاز الأمن والمخابرات، ثم يدير عملية منظمة لشراء التقارير الأمنية وتسميم جهاز الاستخبارات وتحويل المسؤولين بالابتزاز إلى عصابة مرتشين ويمتص عرق ودماء المواطنين عبر سلب أموالهم “نقد مقابل بنكك”.. أمام هذا كله، يصبح السؤال مشروعاً وحتمياً ومصادماً: هل تحول «وِلِّيدْ السَّيِّدَة مَرْيَمْ» فعلياً إلى تلك «الإبرة» المسمومة التي تحفر ليل نهار، بتوجيه وتنسيق خفي مع سيدته ومعسكر الفلول، لنخر جسد الدعم السريع واغتيال مشروع السودان الجديد من الداخل بعد أن عجزوا عن هزيمته في الميدان؟!
إننا ندق ناقوس الخطر أمام قيادة الدعم السريع وتحالف التأسيس هيئته القيادية، إن التعامل مع عز الدين الصافي باعتباره مجرد مسؤول فاسد يبحث عن المال هو قصر نظر استراتيجي قاتل. نحن قد نكون أمام حصان طروادة طائفي استخباراتي ينفذ عملية تخريب ممنهجة. ولا سبيل لإنقاذ المشروع إلا بفتح تحقيق شامل وباقتلاع هذه «الإبرة» السامة فوراً.
أي سادة يخدم هذا «الوِلِّيد»، وأي خراب كان يُعده لدماء الشهداء! فالطائفية التي استغفلت السودانيين لسبعين عاماً لن تمر هذه المرة، ومشروع الدولة المدنية العلمانية سينتصر وسيدفن إلى الأبد عهد السادة والمراويد والفلنقايات!
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.