جاء وفد جامعة الدول العربية إلى الخرطوم، والتقى المسؤولين، وتحدث عن السلام والحوار الوطني بقيادة سودانية، في مشهد يعيد إلى الأذهان زيارات بروتوكولية تكررت على مدى عقود، من دون أن تنعكس بالقدر المأمول على حياة السودانيين.
تأتي الوفود، تُعقد الاجتماعات، تُلتقط الصور، وتصدر البيانات، ثم يغادر الزائرون، بينما يبقى السودانيون في مواجهة الجوع والنزوح وانهيار الخدمات واتساع رقعة الحرب.
لكن السؤال الذي تطرحه هذه الزيارة هو: ماذا قدمت جامعة الدول العربية للشعب السوداني، وما الذي يمكن أن تقدمه فعلياً لوقف الحرب وإنهاء المعاناة؟
منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، واجه السودان واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. ومع تزايد أعداد النازحين والجوعى، ظل أداء جامعة الدول العربية موضع تساؤل بشأن قدرتها على تحويل بيانات القلق والدعوات العامة إلى خطوات ملموسة.
لماذا لم تتحول الاجتماعات العربية إلى تحرك أكثر فاعلية لفتح الممرات الإنسانية، وتأمين وصول الإغاثة، ودعم المرافق الصحية، والضغط من أجل وقف إطلاق النار؟ وأين المبادرة القادرة على جمع الأطراف السودانية حول مسار جاد لإنهاء الحرب، بدلاً من تكرار الدعوات إلى الحوار والسلام؟
المشكلة ليست في عقد الاجتماعات أو استقبال الوفود، وإنما في الفجوة بين الخطاب والممارسة. فالجامعة مطالبة بأن تقدم ما يتجاوز المجاملات الدبلوماسية، وأن تثبت أن حضورها في السودان يرتبط بحماية المدنيين ومساندة تطلعاتهم، لا بمجرد الحفاظ على قنوات الاتصال مع القوى المتنافسة.
تثير الزيارة تساؤلات بشأن أولويات جامعة الدول العربية في التعامل مع الأزمة السودانية. فبينما يحتاج المدنيون إلى تحرك عاجل يضمن وصول الغذاء والدواء ويحميهم من نيران الحرب، تبدو الدبلوماسية الرسمية محدودة التأثير أمام تعقيدات الصراع والحسابات السياسية.
ولا يعني ذلك أن كل تحرك عربي تحكمه المصالح وحدها، أو أن الاتصالات السياسية بلا جدوى، لكن معيار النجاح يجب أن يكون واضحاً: ماذا تغير على الأرض بعد كل اجتماع؟ وهل أسهمت هذه التحركات في تخفيف معاناة المدنيين أو دفع الأطراف نحو تسوية سياسية؟
إذا لم تستطع الجامعة توظيف علاقاتها الإقليمية والدولية للضغط من أجل وقف الحرب، فإن الزيارات ستظل محدودة الأثر، مهما حملت من عبارات التضامن والتأكيد على وحدة السودان وسيادته.
على مدى عقود، احتلت الهوية العربية موقعاً مهماً في الخطاب السياسي السوداني، وظل السودان عضواً في جامعة الدول العربية. لكن هذه العضوية لم تمنع البلاد من الانزلاق إلى الحروب والأزمات، ولم توفر لها ضمانات للاستقرار أو التنمية.
لا تتحمل الجامعة وحدها مسؤولية إخفاقات السودان، فالأزمة ترتبط أيضاً بفشل الحكم، والصراع على السلطة والثروة، وضعف المؤسسات الوطنية. غير أن ذلك لا يعفيها من مراجعة سجلها، ومساءلتها عن حدود تأثيرها وفاعلية مبادراتها.
إن مراجعة دور الجامعة لا تعني القطيعة مع الدول العربية، بل تعني إخضاع العلاقات الخارجية لمعيار المصالح الوطنية، بعيداً عن الشعارات الأيديولوجية. فالسودان يمتلك امتدادات أفريقية عميقة، وثروات زراعية وحيوانية ومائية ومعدنية، وموقعاً استراتيجياً يربط أفريقيا بالعالم العربي.
ومن ثم، فإن تعزيز التعاون مع الدول الأفريقية وتوسيع الشراكات الاقتصادية ينبغي أن يكون جزءاً من استراتيجية وطنية مستقلة، من دون استبدال محور بآخر أو افتراض أن أي مؤسسة إقليمية قادرة وحدها على تحقيق النهضة.
المطلوب هو الانتقال من سياسة المحاور إلى سياسة المصالح، وبناء علاقات متوازنة مع الجميع، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة.
إذا أرادت جامعة الدول العربية إثبات جدوى زيارتها للخرطوم، فعليها دعم هدنة إنسانية قابلة للتنفيذ، وتسهيل وصول المساعدات إلى المناطق المتضررة، وتكثيف الجهود لوقف القتال، ودعم عملية سياسية سودانية شاملة لا تُختزل في القوى المسلحة أو النخب التقليدية.
كما ينبغي وضع آلية لمتابعة الالتزامات وإعلان النتائج للرأي العام، حتى لا تتحول الزيارات إلى مناسبات بروتوكولية تنتهي بانتهاء الاجتماعات.
فالسودانيون الذين فقدوا منازلهم ومصادر رزقهم لا يحتاجون إلى مزيد من الصور والبيانات، بل إلى خطوات تخفف معاناتهم وتفتح الطريق أمام السلام.
المشكلة ليست في زيارة الجامعة العربية للخرطوم، وإنما في ما إذا كانت ستنتهي ببيان جديد وصور أخرى، أم ستشكل بداية لتحرك جاد يضع حياة السودانيين فوق الحسابات السياسية.
السودان لا يحتاج إلى جامعة تكتفي بوصف الأزمة، بل إلى مؤسسة إقليمية تسهم بفاعلية في معالجتها. وهذا هو المعيار الحقيقي الذي ينبغي أن تُقاس به الزيارة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.