متى تنتهي حرب السودان

هشام محمد شريف

الثابت لكل دور اذا ما تم نقصان
ولكن الكلفة الباهظة لهذه الحرب جعلت منه سؤالا يؤرق مضاجع السودانيين
لم تعد الحرب في السودان مجرد مواجهة عسكرية اندلعت بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في الخامس عشر من أبريل عام 2023، ثم طال أمدها بفعل تعثر المفاوضات وتضارب الحسابات. لقد تحولت، مع مرور الوقت، إلى بنية متكاملة لها مصالحها وشبكاتها ومواردها ومنطقها الخاص. وهذا التحول هو ما يجعل السؤال عن نهايتها أكثر تعقيدًا من سؤال الهدنة أو وقف إطلاق النار. فالمشكلة لم تعد فقط في أن طرفين يرفضان التنازل، بل في أن استمرار الحرب أوجد واقعًا يستفيد منه مسلحون وشبكات اقتصادية وقوى إقليمية، بينما يدفع المجتمع السوداني وحده تقريبًا كلفة هذا الاستمرار من أمنه وموارده ومستقبله.لهذا فإن السؤال الأكثر إلحاحًا ليس متى تتوقف الحرب، ولا كم جولة تفاوضية يحتاجها الوسطاء للوصول إلى اتفاق جديد، بل لماذا لم تصبح التسوية حتى الآن أكثر جاذبية من القتال بالنسبة إلى الأطراف التي تملك قرار الحرب؟ فالمفاوضات لم تنقطع تمامًا، والوسطاء لم يغيبوا، والمبادرات الإقليمية والدولية تتوالى، لكن وجود التفاوض لا يعني بالضرورة وجود إرادة حقيقية لإنهاء الصراع. أحيانًا تتحول المفاوضات نفسها إلى جزء من إدارة الحرب، إذ تمنح الأطراف وقتًا لإعادة ترتيب صفوفها، وتتيح لها اختبار نيات خصومها، واستثمار الهدن المؤقتة في تحسين مواقعها الميدانية بدل استخدامها للوصول إلى تسوية نهائية.من هنا يمكن فهم السبب الأول لاستمرار الحرب، وهو أن الاقتصاد لم يعد مجرد ضحية لها، بل أصبح أحد محركاتها الأساسية. فقد فتحت الحرب أبوابًا واسعة أمام اقتصاد غير رسمي يقوم على السيطرة على الموارد، وفرض الإتاوات، ونهب الممتلكات، والتحكم في طرق التجارة والإمداد، واستثمار الذهب وسائر الموارد التي يمكن تحويلها إلى سلاح أو نفوذ. وعندما ترتبط القدرة على القتال بمصادر تمويل مستقلة عن الدولة، يصبح استمرار المعارك بالنسبة إلى بعض الفاعلين أكثر من خيار عسكري؛ يصبح وسيلة للحفاظ على النفوذ والثروة، وإعادة توزيع الموارد بالقوة، ومنع ظهور سلطة مركزية قادرة على إخضاع هذه الشبكات للمساءلة. في مثل هذا السياق، لا يكفي أن يقال للأطراف إن السلام أفضل من الحرب، لأن الحرب، بالنسبة إلى المنتفعين منها، قد تكون أكثر ربحًا وأقل كلفة من السلام.
ولا يمكن فصل هذا الاقتصاد عن الحدود المفتوحة وشبكات التهريب وتدفقات السلاح والدعم الخارجي. فقد كشفت الحرب السودانية بوضوح أن الصراع الداخلي لا يعيش داخل حدوده الوطنية وحدها، بل يتغذى على تنافس إقليمي ودولي يجعل السودان ساحة تتقاطع فيها الحسابات الأمنية والاقتصادية والسياسية. وقد وُجهت إلى دول مختلفة اتهامات بدعم هذا الطرف أو ذاك، سواء عبر السلاح أو التمويل أو التسهيلات اللوجستية أو الدعم السياسي. وتحتاج هذه الاتهامات إلى تحقيقات مستقلة وشفافة حتى تتحول إلى حقائق موثقة، لكن الثابت سياسيًا وميدانيًا أن التدخلات الخارجية أسهمت في إطالة أمد الحرب، لأنها منحت المتحاربين قدرة على الاستمرار حتى عندما كان يفترض أن تؤدي كلفة القتال الداخلية إلى دفعهم نحو التفاوض.المشكلة أن القوى الخارجية لا تتعامل جميعها مع الحرب بوصفها مأساة ينبغي إنهاؤها فورًا، بل ينظر بعضها إليها باعتبارها أزمة ينبغي التحكم في مسارها بما يضمن حماية المصالح الخاصة. وقد لا يكون الهدف دائمًا تمكين طرف من تحقيق نصر شامل، بل منع خصم إقليمي من الانتصار، أو الحفاظ على نفوذ في البحر الأحمر، أو تأمين طرق التجارة، أو حماية مصالح اقتصادية، أو منع انتقال الفوضى إلى دول الجوار. وعندما يتحول الصراع إلى ساحة لتوازنات خارجية، يصبح وقف الحرب أصعب، لأن أي تسوية داخلية تظل رهينة موافقة أطراف لا تدفع الثمن المباشر للدمار. وهنا تظهر المفارقة الأكثر قسوة: بعض الجهات التي تقدم نفسها وسيطًا أو راعيًا للسلام قد تكون، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، جزءًا من البيئة التي تسمح باستمرار القتال. ولا يمكن أن تنجح الوساطة ما لم تُفصل بوضوح عن تمويل الحرب وتسليح أطرافها.
إلى جانب الاقتصاد والتدخل الخارجي، هناك عامل أعمق يتمثل في انهيار مؤسسات الدولة وتآكل المرجعيات السياسية والأخلاقية التي يمكن أن تضع حدًا للعنف. فحين تضعف مؤسسات العدالة، وتغيب آليات المحاسبة، وتتراجع قيمة القانون، تتحول القوة إلى مصدر للشرعية، ويصبح السلاح طريقًا إلى السلطة وحماية المصالح. وفي هذه الحالة لا تعود الحرب مجرد خلاف بين قيادتين عسكريتين، بل تصبح نتيجة لمسار طويل من تهميش الأقاليم، واحتكار القرار، وغياب الإصلاح المؤسسي، وتوظيف الهويات المحلية في الصراع على الدولة. إن العنف لا يستمر لأن هناك من يطلق النار فقط، بل لأن البيئة السياسية والاجتماعية التي أنتجته لم تتغير، ولأن كثيرًا من الفاعلين ما زالوا يعتقدون أن التفاوض لا يبدأ إلا بعد تحقيق مكاسب ميدانية أكبر.لهذا السبب لن يكون وقف الحرب إعلانًا احتفاليًا يصدر في مؤتمر صحفي، ولا هدنة قصيرة تُستخدم لالتقاط الأنفاس ثم تستأنف بعدها المعارك. وقف الحرب الحقيقي عملية سياسية واقتصادية وأمنية طويلة، تبدأ بتغيير الحوافز التي تجعل استمرار القتال ممكنًا ومفيدًا. وأول شروط هذه العملية أن يرتبط المسار العسكري بالمسار السياسي ارتباطًا لا يسمح بفصل أحدهما عن الآخر. فقد أثبتت التجارب السابقة أن الهدن التي لا تستند إلى تصور سياسي واضح تتحول غالبًا إلى فواصل زمنية بين جولات القتال، لا إلى خطوات حقيقية نحو السلام. لا بد إذن من تفاوض يعالج في وقت واحد ترتيبات وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، ووصول المساعدات، ومستقبل المؤسسات العسكرية، وشكل السلطة الانتقالية، وإعادة بناء الاقتصاد، والعدالة الانتقالية. فالترتيب السياسي الذي لا يعالج ميزان القوة سيبقى هشًا، والاتفاق الأمني الذي لا يفتح الطريق أمام دولة مدنية سيعيد إنتاج الأزمة في صورة جديدة.
أما الشرط الثاني فيتعلق بضرورة تحويل التدخل الخارجي من مصدر قوة للمتحاربين إلى عامل ضغط حقيقي عليهم. لا يمكن إنهاء حرب تتغذى على السلاح والتمويل عبر المناشدات الأخلاقية وحدها. المطلوب آليات واضحة لتجفيف مصادر التمويل، ومراقبة حركة السلاح عبر الحدود، وفرض عقوبات موجهة على الشبكات التي تشتري الموارد أو تحولها إلى أدوات للقتال، مع ضمان ألا تتحول العقوبات إلى عبء إضافي على المدنيين. كما ينبغي أن يصبح أي دور إقليمي في إعادة الإعمار أو الاستثمار أو التعاون السياسي مرتبطًا بوقف الدعم العسكري واحترام سيادة السودان. إن الرعاة الخارجيين لن يغيروا سلوكهم لأن المجتمع الدولي دعاهم إلى السلام، بل عندما تصبح كلفة استمرار دعم الحرب أعلى من المكاسب التي يحققونها منها.غير أن الضغط الخارجي، مهما كان مهمًا، لن يكون بديلًا عن إعادة بناء المجال السياسي السوداني. فاختزال الحل في حوار بين قيادات مسلحة أو في صفقة لتقاسم المناصب سيعيد إنتاج الأزمة بدل إنهائها. ولا يكفي أن يوصف أي اتفاق بأنه سوداني أو شامل ما لم يشارك فيه السودانيون الذين تحملوا العبء الأكبر من الحرب، من لجان المقاومة والنقابات والنساء والشباب والنازحين والقيادات المحلية والقوى المدنية في الأقاليم المختلفة. السلام لا يصبح وطنيًا لمجرد أن أطرافًا سودانية وقعت عليه، بل عندما يعكس مصالح المجتمع ويضع حدًا لاحتكار الدولة من قبل النخب المسلحة، ويعالج جذور التهميش، ويضمن المساواة في المواطنة، ويضع المؤسسة العسكرية تحت سلطة مدنية منتخبة، ويؤسس لمسار جاد للعدالة والمحاسبة.
ومن الخطأ أيضًا التعامل مع مرحلة ما بعد الحرب باعتبارها مرحلة مؤجلة إلى أن يصمت الرصاص. فكلما طال أمد الحرب تآكلت مؤسسات الدولة، وتوسعت الفجوة بين المركز والأقاليم، وتغيرت البنية السكانية والاقتصادية، وتعقدت قضايا الملكية والعودة وإعادة الإعمار. لذلك ينبغي أن يبدأ التفكير في اليوم التالي منذ الآن، من خلال حماية ما تبقى من المؤسسات المدنية، ودعم المبادرات المحلية التي تقدم الخدمات، وتوثيق الانتهاكات، وحفظ سجلات الملكية، وتوفير مساحات للحوار المجتمعي، وإعداد تصور واقعي لإعادة بناء القطاع الأمني والاقتصاد الوطني. لا يمكن بناء دولة جديدة بقرار يصدر من الخارج، كما لا يمكن ترك المجتمع وحده أمام قوة السلاح. إعادة البناء تحتاج إلى شراكة بين السودانيين ودعم دولي مسؤول لا يفرض وصاية ولا يكتفي بإدارة المساعدات.وتتحمل النخبة السودانية مسؤولية خاصة في هذا المسار. فقد آن الأوان للتوقف عن النظر إلى الحرب باعتبارها وسيلة لتحسين شروط التفاوض أو إعادة ترتيب مواقع القوى. قد يحقق القتال مكاسب مؤقتة لهذا الطرف أو ذاك، لكنه يدمر الشروط التي تجعل أي انتصار قابلًا للتحول إلى مشروع دولة. لا يمكن بناء مستقبل وطني على أنقاض المدن، ولا يمكن حماية وحدة السودان عبر مزيد من تفكيك مجتمعه. المطلوب من القوى السياسية والعسكرية أن تدرك أن التنازل عن احتكار السلطة ليس تنازلًا عن الوطن، وأن قبول الرقابة والمحاسبة ليس تهديدًا للدولة، بل شرط لبقائها.
كما تتحمل القوى المدنية والمجتمعية مسؤولية عدم ترك المجال للوسطاء الإقليميين والدوليين وحدهم. إن تعدد المبادرات دون مرجعية سودانية موحدة يبدد الجهد ويمنح المتحاربين فرصة الانتقاء والمماطلة. المطلوب بناء موقف مدني واسع يرفض الاتفاقات الجزئية التي تمنح الشرعية للأمر الواقع، ويضغط من أجل عملية تفاوضية واحدة ذات أهداف معلنة وضمانات قابلة للتنفيذ. وفي الوقت نفسه يجب ألا تكتفي القوى المدنية بدور الاعتراض، بل عليها أن تقدم تصورًا واضحًا للدولة التي تريد بناءها، ولشكل العدالة، ولإصلاح الجيش والشرطة، ولإدارة التنوع، ولتوزيع الموارد، حتى لا يظل الفراغ السياسي متاحًا أمام السلاح.أما الرأي العام، في السودان وخارجه، فعليه أن يرفض تحويل الحرب إلى مادة للاستهلاك اليومي أو إلى مواجهة سرديات تختزل المأساة في ثنائيات مبسطة من قبيل جيش في مواجهة ميليشيا، أو وطني في مواجهة عميل، أو مركز في مواجهة أطراف. هذه اللغة قد تخدم التعبئة، لكنها لا تفسر الواقع ولا تحمي المدنيين. المطلوب وعي يميز بين مؤسسات الدولة ومن يحتكرها، وبين حق المجتمعات في الأمن وبين استخدام الأمن ذريعة للقمع، وبين السيادة الوطنية ورفض التدخلات التي تطيل الحرب، وبين إدانة الانتهاكات أيا كان مرتكبها. فالمعركة الحقيقية ليست فقط ضد الرصاص، بل ضد الروايات التي تمنح العنف شرعية وتمنع مساءلة من يستخدمه.إن حرب السودان لن تنتهي بمجرد أن تتوقف المدافع، لأن آثارها ستبقى في المدن المدمرة، وفي ملايين النازحين، وفي الاقتصاد المنهار، وفي الذاكرة المثقلة بالقتل والانتهاكات. لكنها لن تنتهي أيضًا إذا اكتفينا بإدارة هذه الآثار عبر المساعدات الإنسانية والبيانات الدبلوماسية. المطلوب هو تفكيك النظام الذي يجعل الحرب قابلة للاستمرار، بدءًا من اقتصاد الغنيمة وشبكات التهريب، مرورًا بالتدخلات الخارجية، ووصولًا إلى بنية السلطة التي تسمح للسلاح بأن يحل محل السياسة والقانون.
لهذا فإن السؤال الأهم ليس كيف نوقف الحرب فحسب، بل كيف نمنع عودتها بعد توقفها. الإجابة لا تكمن في هدنة مؤقتة ولا في صفقة بين الأقوياء، بل في بناء دولة لا تكون فيها السلطة غنيمة، ولا تكون فيها الثروة امتيازًا لجماعة، ولا يكون فيها الجيش بديلًا عن المؤسسات المدنية، ولا يُترك فيها أي إقليم لمصيره ثم يُطلب منه أن يدافع عن وحدة لا يشعر بثمارها. السلام الذي يستحقه السودان هو ذلك الذي يغير قواعد اللعبة، لا ذلك الذي يمنح المتحاربين فرصة لإعادة توزيع المواقع ثم يترك أسباب الانفجار قائمة.إذا لم يتغير السؤال من كيف نوقف إطلاق النار إلى كيف ننهي البنية التي تنتج الحرب، فستظل البلاد عالقة في الحلقة نفسها: هدنة هشة، ثم خرق، ثم موجة عنف جديدة، ثم نداءات دولية، ثم مأساة أوسع. أما كسر هذه الحلقة فيتطلب شجاعة سياسية تتجاوز حسابات المنتصر والمهزوم، وضغطًا دوليًا جادًا لا يساوي بين الوساطة وتمويل الحرب، وإرادة سودانية تعيد تعريف الدولة باعتبارها حقًا مشتركًا لا غنيمة تتقاسمها البنادق. عندها فقط يمكن أن يتحول وقف القتال من استراحة مؤقتة إلى بداية فعلية للخروج من الحرب.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.