قصاصات راي
لم تعد المأساة في السودان مجرد محطات كهرباء دُمّرت، أو محطات مياه تعطّلت، أو مخازن وقود تحوّلت إلى رماد؛ فالكارثة الأكبر أن وطناً كاملاً اختُطف من مستقبله، ليصبح ساحة لتصفية الحسابات ومسرحاً لصراعٍ على السلطة، بينما يقف المواطن وسط الأنقاض يبحث عن لقمةٍ تسدّ جوعه، ودواءٍ يخفف ألمه، وكهرباءٍ تذكّره بأن الحياة لم تنطفئ تماماً. يا لها من مفارقة ساخرة وموجعة! يتحدث المتصارعون عن الوطن وكأنه ملكية خاصة مسجّلة بأسمائهم، ويتبارون في رفع الشعارات، فيما تتكفّل الحرب بإسقاط الأقنعة وحرق الحقائق. الكهرباء تتلاشى، والمياه تشحّ، والاقتصاد يترنّح، والخدمات تتآكل، ثم يخرج علينا من يبيع الخراب في عبواتٍ سياسية فاخرة، ويطلب من الشعب أن يصفّق للكارثة باسم الوطنية!
السودان ليس إقطاعية عسكرية، ولا غنيمة للمتمردين، ولا ملكاً لجماعة مسلحة تتدثّر باتفاقية معيبة أو تتخذ من السلاح صكّاً للوصاية على الناس. السودان وطن شعب كامل، لا يحق لفئة أن تحتكره، ولا لقوة أن تختطف قراره، ولا لأي طرف أن يساوم على حياته ومستقبله. ولا توجد راية تبيح تدمير محطات المياه والكهرباء، ولا شعار يبرّر تجويع الناس، ولا اتفاق سياسي يمنح أحداً حصانةً من المحاسبة. ومن أشعل الحرب لا يحق له أن يهرب من مسؤولية إطفائها، ومن دمّر مقدرات الشعب يجب أن يُحاسَب، ومن صادر أمن الناس وأمانهم لا يستحق مكافأةً سياسية على أنقاض بيوتهم. فليس منطقياً أن يتحوّل صانع الكارثة إلى مهندسٍ للإنقاذ، وأن يصبح المتسبب في الخراب شريكاً إلزامياً في كتابة مستقبل الضحايا، وكأن ذاكرة الشعب قصيرة إلى هذا الحد!
إن السلام ليس صورة تذكارية تجمع المتحاربين حول طاولة، ولا صفقة لتقاسم الكراسي والنفوذ، ولا مكافأة لمن يملك أكبر ترسانة. السلام الحقيقي عدالةٌ ومحاسبة، واستعادةٌ للدولة وخدماتها، وضمانٌ ألا يعود السلاح حكماً بين السودانيين.
أما الإصلاح السياسي بعد الحرب، فلا يجوز أن يكون إعادة تدوير للوجوه نفسها التي أوصلت البلاد إلى الهاوية. لا حصانة لمنتهكي حقوق الناس، ولا امتياز لمن جعلوا معاناتهم سلّماً إلى السلطة. ومن أراد للسودان مستقبلاً، فليبدأ بالاعتراف بحق شعبه في الحياة والكرامة والاختيار الحر.
لقد دفع السودانيون من دمائهم وأرزاقهم وأعمارهم ما يكفي. فلا تجعلوا السلام موسماً جديداً لتوزيع الغنائم، ولا تجعلوا الدولة جائزةً لمن ينتصر في معركة الخراب.
السودان ليس ملكاً لمن يحمل السلاح؛ السودان حقّ من يحمل وجع هذا الوطن، ويحلم بأن يعيش فيه آمناً، لا أن يموت من أجل كرسيّ لا يجلس عليه.
Prev Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.