لم يكن يحلم ذلك الطفل بأكثر من حقيبة مدرسية، ودفتر ملوّن، ورفاق يركض معهم في أزقة الحي، وبيتٍ يأويه حين تتعب قدماه من اللعب. كانت الحياة بالنسبة إليه بسيطة كضحكة عابرة، وكانت أحلامه صغيرة بحجم عمره. لكن الحرب، حين قررت أن تعبر من فوق طفولته، لم تترك له شيئاً من ذلك. انتزعته من مرتع صباه، واقتلعت جذوره من أرضه، وشتّتت أسرته، ومزّقت ذاكرته بين بيتٍ غادره قسراً، وأصدقاء لا يعرف إن كان سيلتقيهم يوماً، وطرقات لا تشبه الطرق التي عرفها.
لم يكن ذنبه أنه وُلد في زمن الحرب، لكن القدر اختار أن يمنحه من الأوجاع ما يفوق أعمار الرجال. فبدلاً من أن يكون أصغر إخوته المدلّل، وجد نفسه أكبرهم ومسؤولهم، وبدلاً من أن يحمل كتابه إلى المدرسة، حمل همّ أسرته على كتفيه الصغيرتين. غادر مقعد الدراسة لا لأنه كره العلم، ولا لأنه عجز عن الحلم، بل لأن الجوع لا ينتظر انتهاء الحصة، ولأن أمه تحتاج إلى من يسندها، وإخوته يحتاجون إلى من يحميهم من ذل السؤال ومدّ الأيدي للمتسولين.
وهنا تبدأ الحكاية الأكثر مرارة: لم تكتفِ الحرب بسرقة طفولته، بل جاءت حكومة الأمل لتكمل ما بدأته الحرب، ولكن بوسائل أقل ضجيجاً وأكثر قسوة! حكومةٌ كان يفترض أن تعيد النازحين إلى ديارهم، وأن تفتح أمام أطفالهم أبواب الحياة، فإذا بها تتركهم معلّقين بين النزوح والخذلان، لا هم عادوا إلى بيوتهم، ولا وجدوا في وطنهم بديلاً آمناً يعيد إليهم كرامتهم.
لقد فشلت حكومة الأمل اجتماعياً حين عجزت عن حماية أسرة مشرّدة من التفكك والعوز، وفشلت اقتصادياً حين تركت طفلاً يتحول إلى معيل قبل أوانه، يطارد لقمة العيش بدلاً من مطاردة أحلامه. وفشلت تربوياً حين جعلت المدرسة حلماً بعيد المنال، والتعليم كابوساً يطارده كلما رأى طفلاً يحمل حقيبته متجهاً إلى فصله.
يا للمفارقة المؤلمة! في الأوطان التي تحترم مستقبلها، يذهب الطفل إلى المدرسة ليصنع غده، أما في وطن هذا الصغير، فيغادر المدرسة ليشتري غد أسرته برغيف خبز! هناك أطفال يتعلمون كيف يكتبون أسماءهم، وهنا طفل يتعلم كيف يخفي دموعه حتى لا تراه أمه منهاراً. هناك من يسأل عن واجبه المدرسي، وهنا من يسأل نفسه كل صباح: كيف سأطعم إخوتي اليوم؟
إن أخطر ما فعلته الحرب بهذا الطفل أنها لم تقتل جسده، بل قتلت حقه في أن يكون طفلاً. والأخطر أن الحكومة التي رفعت شعار الأمل لم تستطع أن تمنحه سبباً واحداً ليؤمن به.
فأي أمل هذا الذي لا يعيد طفلاً إلى مدرسته؟ وأي حكومة هذه التي تعجز عن إعادة طفل إلى بيته؟ وأي مستقبل ننتظره من وطنٍ يحمّل أطفاله مسؤولية إنقاذ ما عجز الكبار عن إنقاذه؟
إن هذا الطفل ليس حالة إنسانية عابرة، بل شهادة إدانة مفتوحة في وجه الحرب، وفي وجه كل سلطة جعلت من معاناة الناس أرقاماً، ومن أحلام الأطفال وعوداً مؤجلة.
فالطفل الذي كان ينبغي أن نحمي طفولته، أصبح هو من يحمي أسرته… وحكومة الأمل التي وعدته بمستقبل أفضل، تركته وحيداً يصارع حاضراً لا يرحم.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.