ليس السودان بلدًا فقيرًا ينتظر من العالم أن ينتشله من عثرته؛ بل هو بلد غني ينتظر أن يتحرر من العقول الفقيرة التي عطّلت إمكاناته، وأهدرت موارده، وأسـاءت إلى إنسانه. وما ينقصه ليس الأرض ولا الماء ولا المعادن ولا الموقع ولا الإنسان؛ إنما ينقصه الوعي الذي يعرف قيمة هذه النعم، والعقل الذي يحسن إدارتها، والخلق الذي يجعل السلطة أمانة، والثروة حقًا عامًا، والوطن بيتًا يتسع للجميع.
لقد بشّرنا الأستاذ محمود محمد طه بسودان عظيم، لا تُقاس عظمته بما تختزنه أرضه فحسب، وإنما بما يختزنه إنسانه من قيم نبيلة مركوزة في فطرته، وبما يمكن أن يقدمه للحضارة الإنسانية من نموذج متقدم في الحرية والعدل والسلام. إذ كان يرى في السودان وطنًا مؤهلًا للريادة؛ لا بالتفاخر بالأمجاد وترديد الشعارات، بل بالارتقاء بالإنسان، حتى يتحرر من الخوف والحاجة والذل، ومن كل صور الوصاية والاستبداد.
ولعلنا اليوم، ونحن نطّلع على ما يتكشف من حقائق عن موارد السودان وإمكاناته، ندرك أن تلك البشارة لم تكن حلمًا معلقًا في سماء الخيال، بل استندت إلى رؤية عميقة لطبيعة هذا البلد وما يختزنه من طاقات مادية وبشرية وأخلاقية.
تتداول كتابات الباحثين معلومات تثير الدهشة عن ثروات السودان: سهول زراعية شاسعة، ومعادن نادرة، واحتياطيات من اليورانيوم، وإمكانات نفطية لم تُستكشف بما يكفي، ومياه أمطار ومياه جوفية، وثروة حيوانية ضخمة، وصمغ عربي تتجاوز قيمته حدود التجارة التقليدية. وتتحدث هذه الكتابات عن مساحات هائلة من الأراضي الصالحة للزراعة، وعن إمكانات مائية ومعدنية تجعل السودان جديرًا بأن يكون من أهم مراكز الإنتاج في العالم.
والحقيقة الكبرى أن السودان يمتلك من الموارد الطبيعية والتنوع البيئي والموقع الجغرافي ما يؤهله لنهضة اقتصادية واسعة، إذا أحسن استغلالها وأدارها بعلم ومسؤولية.
تأملوا هذه المفارقة العجيبة: بلدٌ يمتد على رقعة واسعة، وتتنوّع فيه المناخات والتربة والموارد، ويملك سهولًا زراعية شاسعة ومراعي طبيعية وأنهارًا وأمطارًا ومياهًا جوفية، ثم يعجز عن توفير الغذاء لأبنائه! بلدٌ يمكن أن يكون سلة غذاء إقليمية وعالمية، فإذا بمواطنيه يبحثون عن لقمة تسد الرمق، ومزارعيه يهاجرون من حقولهم، ورعاته يُهجّرون من مراعيهم، وأرضه المنتجة تتحول إلى مسرح للحرب والخراب!
أي مفارقة أكبر من هذه؟ وأي عبث أشد من أن يجوع شعب في وطن تتسع أرضه لزراعة ما يكفيه ويزيد؟
إن الحديث عن الزراعة وحدها يكفي لفتح نافذة واسعة على المستقبل. فالسودان بلد يحتاج إلى إرادة تستثمر الأرض. يحتاج إلى الري الحديث، والبحث العلمي، والتقاوي المحسّنة، والتصنيع الزراعي، وشبكات النقل والتخزين، وسياسات تحمي المنتج وتفتح أمامه الأسواق. كما يحتاج إلى الانتقال من تصدير المواد الخام إلى إنتاج القيمة المضافة، حتى لا يظل يبيع ثرواته بأبخس الأثمان، ثم يشتري منتجاتها بأغلى الأسعار.
أما الماء، فحدّث ولا حرج عن الفرص التي تنتظرنا. فالسودان بلد الأمطار والأنهار والأحواض الجوفية، وموارده المائية تحتاج إلى دراسات دقيقة وإدارة رشيدة، لا إلى نزاعات سياسية ومزايدات إعلامية. فالماء الذي يمكن أن يكون أساسًا للتعاون والتنمية يتحول، حين يغيب العقل، إلى مادة للخصومة والتهديد بالحروب. وما أحوج دول المنطقة إلى أن تدرك أن الأنهار لا ينبغي أن تكون حدودًا للعداء، بل جسورًا للتكامل.
وفي باطن الأرض ثروات معدنية ونفطية لم تُستكشف، أو لم تُستغل على الوجه الأمثل. لكن الثروة المدفونة لا تصنع نهضة بمجرد وجودها؛ إنما تصنع النهضةَ المعرفةُ التي تستكشف، والتكنولوجيا التي تستخرج، والمؤسسات التي تدير، والقوانين التي تحمي الحقوق، والشفافية التي تمنع تحوّل الموارد إلى غنائم في أيدي المتنفذين.
وللسودان موقع جغرافي بالغ الأهمية؛ فهو صلة وصل بين أقاليم إفريقية متعددة، وبين شمال القارة وشرقها ووسطها. وهو، باختصار، قلب إفريقيا النابض. وله إطلالة على البحر الأحمر، وموانئ يمكن أن تجعل منه مركزًا للتجارة والنقل والخدمات اللوجستية. وهذا الموقع ليس مجرد ميزة على الخريطة، بل فرصة تاريخية لبناء علاقات اقتصادية وثقافية متوازنة مع محيطه الإفريقي والعربي والعالمي.
ثم تأملوا الثروة الحيوانية، التي لا نقيسها بعدد الرؤوس وحده، بل بجودة السلالات، وسلامة الإنتاج، والرعاية البيطرية، والتصنيع، والقدرة على النفاذ إلى الأسواق العالمية. وتأملوا الصمغ العربي، بما يمثله من مورد استراتيجي يمكن أن تقوم حوله صناعات غذائية ودوائية متعددة. وتأملوا الغابات والتنوع البيئي والثروة السمكية والطاقة الشمسية وطاقة الرياح. إن السودان ليس مجرد أرض تنتظر من يحفر فيها بحثًا عن الذهب؛ إنه منظومة متكاملة من فرص الإنتاج والحياة.
ولكن، هل تكفي هذه الثروات لكي يصبح السودان عظيمًا؟
كلا!
وهنا نصل إلى جوهر البشارة التي حملها الأستاذ محمود محمد طه. فالسودان الذي بشّر به لا تصنعه وفرة المعادن، ولا اتساع الأراضي، ولا تدفق النفط، ولا كثرة الأموال. يصنعه، قبل كل ذلك، الإنسان الحر، واتساع العقل، وسمو الأخلاق، والقدرة على العيش مع الآخرين في سلام وعدل ومساواة.
أليس السودان أرضًا تعاقبت عليها الرسالات والحضارات، وحفظت آثاره شواهد تستدعي البحث والتأمل، من دنقلا العجوز وغيرها؟ أليس في تاريخه وعمقه الروحي ما يدعونا إلى استعادة الأمل والعمل؟ فما الذي ننتظره؟ ألم تطلعوا على الكشف الذي اعلنت عنه بعثة دولية وتناقلته القنوات الفضائية عن أثر للسيد المسيح والسيدة مريم العذراء في منطقة دنقلا العجوز؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.