حتى متى الاستمرارية؟ هذا هو السؤال الذي يتهرب منه البلابسة.
منذ 15 أبريل، ومنذ شعار «بل بس»، ماذا كانت النتيجة؟ واقع مرير لا يحتاج إلى محلل سياسي.
حرب عبثية، نتاجها التشرد واللجوء والاستصغار والاستخفاف بالعقول.
قالوا لنا: «بل بس» والحسم قريب.
قالوا: «الدعامة انتهوا» قبل أعوام.
قالوا: «الخرطوم حرة»، وهي مدمرة.
قالوا: «الجزيرة رجعت»، وأهلها نازحون.
من هو المبلول اليوم؟
كانوا يقولون: «الجيش يبل الدعم السريع». ثم خرج علينا من يقول: «الجيش هو المبلول».
بعد كل هذا البل، اتضح أن المبلول الحقيقي الوحيد هو المواطن السوداني.
المواطن الذي صدقهم، والمواطن الذي هتف معهم، والمواطن الذي لا يزال يؤيد البل، بينما يموت جوعاً ويُهان، وتغرق فلذات أكباده في المتوسط.
من يتاجر بمَن؟ ومن هو المبلول؟ الجيش أم الدعم السريع؟ الاثنان يموت جنودهما، والاثنان يخسران. لكن من يكسب؟ تجار الحرب، وتجار الأزمات، وسماسرة الذهب، وسماسرة التأشيرات، وسماسرة الإغاثة، وسماسرة المنصات الإعلامية التي تقبض بالدولار مقابل كل فيديو يصرخ: «بل بس».
اسأل أي بلبوسي سؤالاً بسيطاً: ما خطتك بعد البل؟
سيصمت؛ لأنه لا يملك خطة. البل عنده هواية، وإدمان، ووظيفة تدر عليه راتباً.
البلابسة لا يريدون نهاية الحرب؛ لأن نهاية الحرب تعني نهاية وظائفهم. ونهاية الحرب تعني المحاسبة. ونهاية الحرب تعني طرح أسئلة: أين ذهب ذهب السودان؟ وأين ذهبت أموال الجمارك؟ وأين ذهبت المساعدات؟ ولماذا الكهرباء مقطوعة؟
لذلك هم يصرون على البل.
المواطن المؤيد المسكين، الذي فقد بيته في الخرطوم بحري، ويجلس الآن في غرفة واحدة في الخارج، ولا يزال يكتب: «بل بس».
لماذا؟ لأنهم استخفوا بعقله. أقنعوه بأن كرامته تكمن في استمرار الحرب، بينما كرامته الحقيقية هي أن يعود إلى بيته، وأن يفتح دكانه، وأن يذهب ابنه إلى المدرسة.
هل سأل نفسه: من سيُخرج الجميع من البل؟
لا أحد سيُخرج أحداً. الحرب لا تُخرج أحداً؛ بل تدفن الجميع في الحفرة نفسها. الجيش لا يستطيع إبادة الدعم السريع بالكامل، والدعم السريع لا يستطيع إبادة الجيش. هذه هي الحقيقة العسكرية التي يعرفها أي خبير.
استمرار القتال يعني فقط استنزاف ما تبقى من السودان.
نحن أمام خيارين لا ثالث لهما:
الخيار الأول: اختيار البلابسة
وهو يعني استمرار التشرد لخمس سنوات قادمة. ويعني جيلاً كاملاً من الأطفال بلا تعليم، ومجاعة حقيقية في جميع ربوع الوطن، وتقسيم السودان إلى أربع دول.
هذا هو مشروع البل
الخيار الثاني: اختيار المواطن
وهو أن نقول: كفى. كفاية متاجرة بدمائنا. نريد سلاماً، ونريد تعايشاً، ونريد نهوضاً.
كيف يتغير الواقع؟ الواقع لا يتغير بالدعاء في بث مباشر على تيك توك، بل يتغير بثلاث خطوات واضحة:
أولاً: وقف الحرب فوراً بلا شروط
ليس وقف إطلاق نار هشاً، بل وقف حقيقي بضمان دولي. من يرفض وقف الحرب هو العدو الحقيقي للمواطن، سواء ارتدى كاكي الجيش أو كاكي الدعم السريع.
ثانياً: حكومة مدنية انتقالية حقيقية
ليست حكومة بورتسودان التي لا تملك كهرباء، وليست حكومة تأسيس في نيالا التي لا يملك أحد… بل حكومة كفاءات مستقلة تدير فترة انتقالية، وتكون مهمتها الوحيدة توفير الخبز والدواء والتعليم، والتحضير للانتخابات.
ثالثاً: مشروع مارشال سوداني
السودان لا يحتاج إلى بنادق روسيا، بل يحتاج إلى مدارس ومستشفيات. نحتاج إلى أن نتربع في مصاف الدول المتقدمة، ليس بالشعارات، بل بالإنتاج. لدينا ذهب، ولدينا أرض، ولدينا نيل، ولدينا عقول هاجرت. فلماذا نحن في ذيل العالم؟ لأننا اخترنا البل بدلاً من البناء.
إذا كان البل هو الحل، فلماذا لم تحسموا الحرب في شهر؟ وإذا كان جيشكم منتصراً، فلماذا لا تزالون في بورتسودان؟ وإذا كان الدعم السريع قد انتهى، فلماذا لا تزال المسيّرات تضرب كل يوم، حتى بورتسودان؟
كفى استخفافاً بعقولنا.
المواطن السوداني ليس بليداً، هو فقط مكلوم. وعندما يفيق من صدمة الحرب، سيعرف أن من قال له «بل بس» هو من بلّه، وبلّ مستقبله، وبلّ مستقبل أبنائه.
اختيارنا اليوم ليس بين الجيش والدعم السريع، بل بين البل والوطن، وبين الحرب والسلام، وبين أن نبقى لاجئين نستجدي الكفالة في دول الغير، أو أن نعود شعباً يتربع في مصاف الدول المتقدمة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.