وجوهٌ خلف الأرقام

هشام محمد شريف

في المخيم
لا أحد يسألنا من كنّا قبل أن نصل إلى هنا.
لا أحد يسأل عن المهن التي حملناها، ولا عن البيوت التي تركناها، ولا عن الأحلام التي كانت تملأ أيامنا.
هنا..
تتحوّل الأسماء إلى أرقام، والبيوت إلى خيام، والأسقف إلى قطع مشمّع ترتجف كلما هبّت الريح.
كنّا نعيش حياةً عادية، أو نظنّها عادية.
بيننا أستاذ جامعي كان يقف أمام مئات الطلاب، يشرح لهم الفلسفة والتاريخ، ويؤمن بأن المعرفة قادرة على تغيير العالم. اليوم، يقف أمام طفله الصغير ليعلّمه كيف يثبّت المشمّع فوق الخيمة قبل أن تقتلعها العاصفة.
وبيننا ممرضة كانت ترعى المرضى وتنسّق عمل الأطباء في مستشفى كبير. اليوم، تقف ساعات طويلة في طابور الماء، تحمل دلوها الفارغ، وتنتظر دورها بصمت.
وبيننا مدير كان يدير مكاتب في عواصم عدة، ويتخذ قرارات تمسّ حياة آلاف الناس. اليوم، ينتظر دوره في طابور توزيع الطعام، لعلّه يعود إلى أطفاله بشيء يسدّ جوعهم.
لكننا، في دفاتر المؤسسات، لسنا سوى أرقام:
عدد العائلات، عدد الخيام، عدد الأطفال، عدد البطانيات، وعدد الوجبات.
لا أحد يرى أن خلف كل رقم إنساناً كان له بيت وكرامة وعمل ومستقبل.
خلف كل رقم أمّ تخاف على أطفالها، وأب عاجز عن إخفاء قلقه، وطفل لا يعرف لماذا أصبح النوم على الأرض أمراً طبيعياً في حياته.
ملابسنا تمزّقت من كثرة ما ارتديناها.
أقدامنا حفيت من السير الطويل بحثاً عن الماء والطعام والأمان.
أجسادنا هزلت، ووجوهنا تغيّرت حتى كدنا لا نتعرّف إلى أنفسنا في المرآة. نعيش على وجبة واحدة في اليوم، وليتها وجبة كاملة؛ أحياناً لا تتجاوز لقيمات قليلة، نقسمها بيننا كي لا ينام أحد جائعاً تماماً.
نحن لا نبحث عن رفاهية.
لا نريد سيارات فارهة، ولا مكاتب مكيّفة، ولا بدلات أنيقة. نريد سقفاً لا يخونه المطر، ولقمة لا نضطر إلى تقسيمها إلى أجزاء صغيرة، وماءً نظيفاً، ودواءً حين يمرض أطفالنا. نريد فقط أن نشعر أننا آمنون، وأن الغد لن يكون أشدّ قسوة من اليوم.
في المخيم، يجلس أستاذ التاريخ على كرسي بلاستيكي مكسور، وينظر طويلاً إلى البعيد. وحين يسأله أحدهم عمّا يفعل، يجيب بصوت هادئ:
«أعدّ الأشهر. كنت، قبل عامين، أصحّح أوراق طلابي. أما اليوم فأحاول أن أصحّح ذاكرتي، حتى لا أنسى أسماءهم».
وهناك صحفية كانت تكتب ليقرأ الناس كلماتها، وتؤمن بأن القلم يستطيع أن يفتح نافذة في جدار الظلم. اليوم، تجلس أمام خيمتها وتمسك دفتراً قديماً. تكتب، رغم أن لا أحد ينشر ما تكتب. تقول:
«كنت أكتب لأغيّر العالم. اليوم أكتب لأتأكد أنني ما زلت أنا».
أما المهندس الذي صمّم أبنية وجسوراً، فقد أصبح يصلح سقف خيمته بقطعة خشب وحبل مهترئ. كان يحسب الأحمال والضغوط، أما الآن فيحسب كم ساعة قد تصمد الخيمة أمام الريح.
والطبيب الذي أقسم يوماً أن ينقذ حياة الناس، يعالج جيرانه بما توفر لديه من أدوية قليلة، ويعتذر حين لا يجد ما يكفي. لا يزال يحاول، لأن الإنسان حين يفقد كل شيء، يتمسّك أحياناً بدوره في إنقاذ الآخرين كي لا يفقد نفسه.
نحن لا نريد أن نكون صورةً عابرة في تقرير، ولا وجوهاً حزينةً أمام كاميرا، ولا أرقاماً تُستدعى عند الحاجة إلى جمع التبرعات ثم تُنسى بعد انتهاء الزيارة.
نريد أن يُسمع صوتنا كما هو، لا أن يتحدث أحد نيابةً عنا.
نريد أن نكون شركاء في الحل، لا مشهداً مؤقتاً يرضي ضمير العالم.
نريد أن يُنظر إلينا بوصفنا بشراً، لا مجرد ضحايا.
ومع ذلك، ما زال في هذا المخيم شيء لم تستطع الحرب ولا الجوع ولا الخوف أن تنتزعه منا.
ما زالت هناك معلمة تدرّس الأطفال الحروف على لوح خشبي. وما زال طبيب يداوي جاره. وما زالت أمّ تقتسم آخر ما لديها مع طفلها، ثم تبتسم له كي لا يرى خوفها. وما زالت فتاة ترسم على جدار خيمتها بيتاً له نافذة وشجرة، كأنها تقول إننا لم ننسَ شكل الحياة التي نستحقها.
نحن هنا.
لم نمت، رغم كل ما مررنا به.
ولم نهزم تماماً، رغم أن الأيام أخذت منا الكثير.
لكننا متعبون. متعبون من الانتظار، ومن الخوف، ومن الجوع، ومن سؤال الغد الذي لا نملك له جواباً. نحتاج إلى أمان حقيقي، لا إلى وعود مؤجلة. نحتاج إلى مستقبل، لا إلى يوم آخر ننجو منه بصعوبة.
خلف كل رقم اسم.
وخلف كل اسم حكاية.
وخلف كل حكاية قلب ينبض، ويخاف، ويحلم، ويريد أن يعيش بكرامة.
وفي هذا المخيم، حيث ينام المشمّع فوق الأرض، وتحلم البطانية بالدفء، يبقى سؤالنا معلّقاً في الهواء، أثقل من المطر وأشدّ وجعاً من الجوع:
إلى متى سنظل ننتظر أن يتذكّر العالم أننا بشر؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.