لم يكن ظهور أحمد هارون مجرد صدفة، ولم يكن مشهداً عابراً لرجل خرج من السجن ليتحدث أمام الكاميرات.. في السياسة لا توجد صدف، فكل ظهور له توقيت، وكل توقيت له رسالة، وكل رسالة لها من يقف خلفها. فلماذا ظهر هارون الآن؟ ولماذا بهذه اللغة الواثقة؟ ولماذا بهذا الحضور الذي بدا وكأنه عودة رسمية لا ظهور فردي؟
السؤال الذي يدور في كل بيت سوداني اليوم هو: هل جاء هارون ليقول للشعب: «نحن منكم وإليكم»؟ أم جاء ليعلن أن المؤتمر الوطني حاضر، وأنه هو الذي يأمر البرهان؟ أم جاء ليرسم طريق الانتصار على الدعم السريع؟ أم جاء ليتحدى المحكمة الجنائية الدولية؟ أم جاء ليعتذر لشعب دارفور الذي ارتُكبت في حقه المجازر؟
لأن من لا يفهم ما يحدث الآن سيُخدع مرة أخرى، كما خُدع من قبل. حاول هارون أن يظهر بمظهر الرجل الوطني الذي عاد من أجل السودان، الرجل الذي يتألم لألم الشعب، ويتحدث بلغة الوحدة والانتماء. لكن الشعب السوداني ليس قصير الذاكرة. نحن نعرف من هو أحمد هارون. نعرف تاريخه في دارفور، ونعرف دوره في حكومة الإنقاذ، ونعرف أنه كان واحداً من أخطر رجالات النظام الذي جثم على صدر السودان ثلاثين عاماً.
عندما يقول: «نحن منكم وإليكم»، علينا أن نسأل: أين كنتم عندما كان الشعب يموت جوعاً؟ أين كنتم عندما سقطت المدن؟ أين كنتم عندما كانت دارفور تحترق؟ أين كنتم عندما خرج الشباب في ديسمبر يهتفون «تسقط بس»، وأنتم تطلقون عليهم الرصاص؟
من كان من الشعب لا يحتاج إلى إثبات ذلك بالكلام، بل بالفعل. والشعب لا ينسى أن المؤتمر الوطني هو من صنع الأزمة التي نعيشها اليوم، وهو من صنع الدعم السريع، وسلّحه، ومكّنه، ثم جاء اليوم ليدّعي أنه سيخلّصنا منه.
ظهور هارون بهذه القوة، في هذا التوقيت، وبهذا الخطاب، لا يمكن أن يحدث دون غطاء. البرهان لا يتحرك وحده، والجيش لا يتحرك في فراغ. هناك من يدير المشهد من الخلف، وهناك من يرسم الخطوات.
المؤتمر الوطني لم يمت. لم يسقط بسقوط البشير. هو فقط غيّر جلده، ودخل في ثوب الجيش، وثوب المقاومة الشعبية، وثوب الإعلام، وثوب العمل الإنساني. اليوم يحاول أن يعود من الباب الكبير، عبر الحرب، وعبر شعار «الكرامة»، وعبر رجل مثل هارون، ليقول: نحن هنا، ونحن من نقرر.
إن كان البرهان هو القائد، فلماذا يظهر هارون وكأنه القائد الفعلي؟ لماذا يتحدث بلهجة الآمر؟ ولماذا يرسم السياسات؟ إنها رسالة واضحة للداخل والخارج: القرار ليس في القيادة العسكرية وحدها، بل هناك حزب عاد ليمسك بالخيوط.
وهنا تكمن الكارثة؛ لأن الحرب التي كان يجب أن تكون حرباً وطنية لاستعادة الدولة، تتحول بهذا الشكل إلى حرب لاستعادة الحزب. والشعب الذي خرج ضد المؤتمر الوطني لن يقبل أن يعود إليه من شباك الحرب، بعد أن طرده من باب الثورة.
هارون يتحدث عن الانتصار، وعن سحق التمرد، وعن تحرير السودان. ولكن أي انتصار يتحدث عنه؟ هل هو انتصار السودان أم انتصار المؤتمر الوطني؟
الحقيقة التي لا يريدون قولها هي أن المؤتمر الوطني هو من صنع الدعم السريع. حميدتي لم يأتِ من السماء، بل جاء من رحم الإنقاذ، ومن عباءة المؤتمر الوطني، ومن أوامر البشير وهارون وغيرهما. هم من أعطوه السلاح والمال والشرعية، وجعلوه قوة موازية للجيش.
اليوم يريدون أن يظهروا كأبطال يحاربون الوحش الذي صنعوه بأيديهم. يريدون من الشعب أن ينسى أنهم هم السبب، وأن يصفق لهم وهم يحاربون نتيجة أفعالهم.
الانتصار الحقيقي على الدعم السريع لا يكون بإعادة إنتاج النظام نفسه الذي صنعه، بل ببناء دولة جديدة، دولة قانون، ودولة مؤسسات، ودولة لا يحكمها حزب واحد ولا رجل واحد.
أحمد هارون مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية. هذه حقيقة لا يمكن محوها بخطاب حماسي. ظهوره العلني هو تحدٍّ صارخ للعدالة الدولية، ورسالة بأن النظام القديم لا يهاب أحداً.
لكن هذا التحدي ليس شجاعة، بل استهتار؛ لأن السودان اليوم يحتاج إلى شرعية دولية، ويحتاج إلى دعم العالم، ويحتاج إلى أن يظهر كدولة تحترم القانون. فكيف سيكسب العالم وهو يقدّم إلى الواجهة رجلاً مطلوباً للعدالة؟
هارون يريد أن يقول: نحن فوق القانون، ونحن فوق الجنائية، ونحن لا نخاف. لكن الشعب السوداني يقول: نحن نريد عدالة، ونريد محاسبة، ونريد أن يعرف كل من أجرم في حق دارفور وفي حق السودان كله أن الحساب قادم.
هل سيقول هارون: أعتذر؟ هل سيعترف بما حدث؟ هل سيقف أمام أمهات المفقودين، وأمام النازحين في المعسكرات، وأمام من فقدوا أبناءهم وقراهم، ويقول: أخطأنا؟
حتى الآن، لم نسمع اعتذاراً. سمعنا خطباً عن الوطن، وعن الحرب، وعن الكرامة، لكننا لم نسمع كلمة واحدة عن الضحايا. لم نسمع كلمة عن دارفور الحقيقية، دارفور الجريحة، دارفور التي لا تزال تنزف.
من يريد أن يعود إلى الشعب، عليه أن يبدأ من دارفور. عليه أن يبدأ بالاعتذار والاعتراف وتحقيق العدالة. أما من يريد أن يقفز فوق الجراح، فهو لا يريد مصالحة، بل يريد سلطة.
ظهور هارون كشف كل شيء. كشف أن المؤتمر الوطني لم يغادر، بل كان ينتظر اللحظة المناسبة. وكشف أن الحرب بالنسبة إليهم ليست فقط ضد الدعم السريع، بل هي فرصة للعودة. كما كشف أن هناك من يريد أن يستخدم دماء الشهداء، ومعاناة النازحين، وصبر الشعب، ليبني بها مجده الحزبي من جديد.
لكن الشعب السوداني اليوم ليس شعب الأمس. شعب اليوم رأى وسمع وذاق وتعلّم. لن تنطلي عليه شعارات «نحن منكم وإليكم» بعد أن ذاق منهم الويل. ولن يقبل أن يحكمه من كان سبباً في تدميره.. والشعب اليوم يقول: السودان أكبر منكم. الثورة أكبر منكم. ودماء الشهداء أكبر من طموحكم. إن أردتم أن تكونوا جزءاً من المستقبل، فابدأوا بالمحاسبة، لا بالخطابة؛ وبالاعتذار، لا بالتحدي؛ وبالاعتراف، لا بالإنكار. أما إذا ظننتم أن الشعب سينسى، فأنتم واهمون. الشعب لا ينسى، والتاريخ لا يرحم.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.